ذوي الإعاقة بين الواقع والطموح

د. إبراهيم بن محمد العامري
احتفلت دول العالم ومن بينها سلطنة عمان في الثالث من ديسمبر 2025 باليوم العالمي للمعاقين تحت شعار (بناء مجتمعات دامجة للأشخاص ذوي الإعاقة من أجل تعزيز التقدم الاجتماعي) ويأتي الاحتفال بهذا اليوم من منطلق تعزيز حقوق الاشخاص ذوي الإعاقة ورفع مستوى الوعي بقضاياهم والتحديات التي تواجههم على كل المستويات، ويأتي الاعتراف الرسمي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في سلطنة عمان من خلال العديد من الجهات الرسمية وفي مقدمتها وزارة التنمية الاجتماعية إلى جانب الجمعيات الرسمية والأهلية، وقد مرت التشريعات والقرارات المنظمة لحقوق هذه الفئة بالكثير من التطور، إلا أن الواقع يكشف أنه لا تزال هناك فجوة واسعة بين النصوص القانونية والممارسات الفعلية، كيف ذلك؟ وللاجابة يمكننا تسليط الضوء على تفاصيل طبيعة هذه العلاقة وما تعانيه من تحديات حيث لا تزال هذه الفئة تعاني من بعض التهميش في مجالات التعليم، العمل، البنية الأساسية، والمشاركة المجتمعية وعلاقة ذلك بالإطار القانوني والحقوقي ومدى الالتزام والتطبيق من الجهات المعنية في الواقع الميداني.
فرغم مصادقة السلطنة على إتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تعرف اصطلاحا (CRPD)، لكن التطبيق غالبًا يبقى شكليًا ولا يرقى إلى مستوى الطموح الذي ينشده هؤلاء الفئة، فرغم وجود قوانين محلية تحاول سد بعض جوانب القصورالتي تعاني منه الجهات الرسمية والخاصة لتقديم خدماتها المتكاملة لكنها تفتقر إلى آليات تنفيذ واضحة بسبب ما يكتنفها من التحديات وفي مقدمة ذلك تفسير هذه التشريعات وما يتعداه من توفير الدعم المالي الذي الذي يجب ان يرقى إلى سد حاجة ذوي الإعاقة بكل يسر وسهولة بدلا من ازدواجية القرارات بين الجهات الحكومية والخاصة عند طلب اجراءات التنفيذ.
إن عدم مشاركة ذوي الإعاقة أنفسهم في صنع السياسات الخاصة بهم يُضعف الأثر الواقعي للاستفادة من لتلك القوانين وكذا الأمر فيما ينطبق على مجالات التعليم فالأمر لا يعدو أن يبقى إدماج اسمي وإقصاء فعلي لبعض الحالات نظرا لأنه لا يزال محدودًا، وتغييب الكوادر المؤهلة للتعامل مع مختلف أنواع الإعاقات وعدم مراعاة مناهج التعليم لهذا التنوع وهو ما قد يؤدي إلى عزل طلبة ذو الإعاقة في مدارس خاصة نظرا لعدم وجود كوادر تدريسية مؤهلة ومحترفة تؤدي مهمتها بأسلوب معرفي ومهني متميز قادر على التفاعل قدرات العقلية والذهنية لبعض هؤلاء الفئات ، وحتى نسهم في التقليل من أرقام نسب التسرب بين ذوي الإعاقة مقارنة بغيرهم في انسجام قادر على التعامل من كل المستويات.
سوق العمل هو تحدي أخرمن حيث توفر فرص التشغيل ومحدودية فرص الوظائف التي تعلن عنها المؤسسات الحكومية والخاصة حتى تصل الأمور إلى اعتناق مبدأ التمييز غير المعلن رغم وجود “نسب تشغيل إلزامية” حددتها الجهات الحكومية ذات العلاقة والتي تهدف إلى دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل لكن الالتزام بهذا الأمر لا يزال محدودًا ولا يراعي حاجة بعض الأسر لنيل بعض هذه الفرص رغم حاجتها الماسة إلى المعيل وإن كان من ذوي الإعاقة، إضافة إلى ما تقدم بيانه هنا بعض إجراءات التوظيف تتم للأسف لأغراض “شكلية” دون توفير بيئة عمل مهيأة تراعي طبيعة وقدرة المعاق ليكون في موقع عمل منتجة تتوفر له كل الوسائل التي تساعده على أداء واجبات عمله بكل يسر وسهولة.
في هذا الصدد وجب الإشارة إلى جانب هام وهو غياب لبرامج التدريب المهني المتخصصة التي تمكن ذوي الإعاقة من اكتساب مهارة جديدة ومتطورة تسهم لآن يرتقي بجودة العمل ويتيح له فرص التنافس مع أقرانه في إطار بيئة عمل تفاعلية تساعده على فهم طبيعة ومستجدات الوظيفة المناطة به وتحفيزه على الابداع.
إن الحديث عن التحديات التي قد يواجهها ذو الإعاقة ترتبط ارتباطا وثيقا بالصورة النمطية التي يتبناها قطاع الإعلام الرسمي والخاص حيث نرى أن محتوى رسائله الاعلامية لا تزال تعكس صور الشفقة بعيدا عن جودة المضمون واحترافية هذا الإنتاج الإعلامي الذي يؤمل منه تقديم نجاح هذه الفئة كشراكة مجتمعية لا ينقصها الابداع أو محدودية المعرفة، يضاف إلى ما تقدم أرى أن مهمة الإعلام يجب تتعدى محدودية الرسائل الإعلامية إلى تقديم خطابا إعلاميا يظهر فيه ذوي الإعاقة في الدراما والبرامج الحوارية بأسلوب غير نمطي لكنه يؤكد فعالية الشراكة المجتمعية عندما تكون هناك مساحة للتعبير عن قضاياهم من وجهة نظرهم دون تردد أو خجل يوحي بالشفقة لكنه يؤكد القدرة على التعامل مع مختلع مجالات الحياة وقدرتهم على الاندماج كشريك في الإنتاج وقدرة على التغيير الإيجابي، وإيجاد مناخ قادر على خلق بنية صحيحة تشمل كذلك متطلبات ذوي الإعاقة من حيث النقل وتوفير المرافق بالإضافة إلى مجموعة المساعدات البصرية والسمعية لنصل إلى التصميم الشامل والمتكامل لتحقيق سهولة وانسيابية حرية الحركة والتنقل وصولا للقضاء على العزلة المجتمعية التي قد يعاني منها بعض ذوي الإعاقة ويحد من اندماجهم في المجتمع. وهذا هدف يحقق تحولًا ثقافيًا وفكريًا لحقيقة وطبيعة التنوع الإنساني قبل أن يكون إجراء قانونيًا لنلغي أية فكرة سلبية لدى البعض حول مفهوم “الإعاقة” بأن هؤلاء ليسوا عبئا بل هم جزء أصيلا في المجتمع وواقعا يجب أن نضمن له كل الوسائل ولا نعتبر حماية حقوقهم إحسانًا، بقدر ما هو واجب حضاري ومسؤولية وطنية تستوجب التعاون من الجميع بلا إستثناء.



