فيروز تخطف الأضواء من ابنها زياد الرحباني
يعقوب بن راشد السعدي
فيروز تلك النجمة التي سطعت وتلألأت في سماء لبنان والوطن العربي لعقود طويلة ، مازال بريقها الفني يضيء بلمعانه الأخاذ المشرق حتى يومنا هذا ، بُعد فيروز عن الظهور الإعلامي والفني طوال تلك السنين الماضية وغيابها عن أعين الناس ، لم يخفت معه نجمها الساطع إطلاقاً ، بل زاده توهجاً وبريقاً لامعاً .
ربما ذلك بسبب ما أوجدته فيروز من مكتبة فنية عامرة بأغانيها وصوتها الملائكي الذي كان متفرداً في طبقاته وألوانه التفعيلية التي كانت تتناغم به بين الكلمات لترفع رتمه الصوتي بمد حنجرتها الذهبية إلى أعلى مستوياتها ، ثم تعود لكبت جماحه أحياناً في انسيابية تلوينيه لا يملك لجام تحكمها سوى من أجاد مضمار فروسية امتطاء القمر والجري بين النجوم .
هكذا صنعت فيروز لها نجمة خاصة لم يدركها غيرها من جيلها ، كان صوتاً مجلجلاً يصدح بالأفق ليشجي ويطرب القلوب قبل الأذان ، فلم يكن صوت فيروز مجرد صوت فني جميل إنما كان صوتاً خالداً مميزاً لم يسبق لأحد أمتلك قوة ومساحة ذلك الصوت ، وتلك الحنجرة التي كانت تتلاعب بها في أوتاري صوتها بين الهدوء والهمس والعلو في المد مع ( التون Tone ) وهو بُعد المسافة بين نغمتين موسيقيتين في السلم الموسيقي باستثناء المسافة مثلا بين ( مي – وفا ) ، و( القرار هو أدني درجة صوتية في السلم الموسيقي أو المقام ) .
فيروز هذا الاسم الفني الذي اختارته بنفسها والذي أصبح وأمسى ملتصقاً بها وكأنه أسمها الحقيقي ، وربما هو سبب من أسباب صنع شهرتها ، فأكتمل مع جمال الوجه وجمال الصوت ، أما أسمها الحقيقي فهو نُهاد رزق وديع حداد ، ولدت فيروز في 21 نوفمبر 1935 ميلادي ، وإذا ما حسبنا عمرها فهي الآن تبلغ من العمر 90 عاماً ، لكن الملفت للنظر من خلال مشاهدات وداع ابنها زياد في الكنيسة ، أرى رغم بلوغها هذا العمر إلا إنها ما زالت جميلة وشامخة وهادئة كعادتها .
دخلت في تأني وهدوء وتماسك لم تنفعل للحظة ، كانت كمن يرسل لمعجبيه رسالة ملؤها الصبر والتحمل وكتمان الألم ، أرادت أن تظل قوية في أعين الناس كما كانت قوية عندما كانت تعتلي المسرح وتقف في تلك الهيبة والشموخ والأنفة ، وكأنها أسطورة أبت إلا أن يتحدث التاريخ عن كل شيئاً فيها وحولها ، لم تكتفي بأن يذكرها الناس كفنانة تملك صوتاً عجائبياً من صنع الله ، بل كذلك أرادت أن تترك في عيون مشاهديها فيروز القوية التي أعتاد جمهورها أن يراها قامة كبيرة تفرض سلطنتها على من حولها .
اختفاء فيروز عن الظهور الإعلام والفني لسنوات كثيرة وطويلة لا نعلم سببه ودوافعه ، هل هو السن الذي وصلت له ومخافة أن تفقد فيه إمكانياتها وبريقها المعتاد ؟ .. أم هو اكتفاء وتشبع فني ؟! ، ظهور فيروز اليوم في جنازة ابنها زياد الرحباني أعاد إلى حياتها الأضواء وسلط على شخصها الإعلام الذي لربما اشتاقت إليه كثيراً وافتقدته أكثر ، وها هي تعود بقوة مجدها في لحظة ضعفها وهوانها في فقيدها الغالي على قلبها زياد ، حيث أصبحت حديث الألسن وقلم الكُتاب .
رغم النجاح الذي صنعه زياد معها وبدونها في مسيرته الفنية والأدبية ، فقد أبدع في تلحين ثلاثة أغنيات لها اذكر منها ( سألوني الناس ) وكان زياد الرحباني آنذاك بعمر 15 عاماً فقط ، وهذا يُعد في الوسط الفني نبوغاً مبكراً لموسيقار قادم بقوة ، وهذه الفرصة التي أعطته لها فيروز كانت بالنسبة له هي الشرارة التي أوقدت وتوقد معه فكرة الموسيقي لينضج مبكراً قبل أقرانه من الموسيقيين ، إلا إن تلك الشهرة التي حظي بها زياد في حياته لم تكن شيئاً أمام حضور والدته لتشجيع جنازته ، فقط طغت شهرة فيروز وتحولت الأضواء عليها ، كان حضورها ملفت للجميع بمن فيهم الإعلاميين من المصورين والموثقين لمراسم الجنازة ، خطفت الأضواء وبقت فيروز كما كانت محل اهتمام كبير وسيدة شموخ ومهابة حتى في لحظة انكسارها .



