غزة تختنق … والضمير يحتضر !
خليفة بن سليمان المياحي
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ﴾
صدق الله العظيم
تتوقف العبارات، وتتلعثم الكلمات وتلجم الألسن، ويعتصر القلب ألمًا وكمدًا وحزنًا وحسرة، لما آل إليه حال إخوتنا في غزة العزة، حيث بات الموت ضيفًا ثقيلاً ودائمًا، تفوح رائحته في كل زاوية من زوايا تلك البقعة المباركة المحاصرة. فللأسف لا ترى إلا هياكل عظمية وأجسادًا ناحلة، وجسومًا بالية تصارع الموت من أجل البقاء.
ترى عظامهم وتستطيع عدها واحدًا تلو الآخر، لكثرة ما آلت إليه أحوالهم، وماذا عساهم يفعلون؟ التراب أكلوه، وأوراق الشجر ابتلعوها، وعلف الحيوان طحنوه ليطعموه، لم يعد في غزة ما يسد الرمق.
غزة اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة، بل صرخة في وجه العالم الصامت كله. أكثر من مليوني نسمة هناك، معظمهم من حفظة كتاب الله العزيز، تُشنّ عليهم حرب خبيثة لا ترحم، والحرب ليست بالدبابات ولا بالطائرات، بل بحصار وتجويع ممنهج ومقصود. إنها معركة لا دخان فيها يتطاير، ولا أصوات لها فتُسمع، لكنها تفتك بالبشر كما كانت ولا زالت تفتك قنابلهم. إنها حرب “الإبادة البطيئة”، حيث تحوّل الجوع إلى سلاح عند العدو الغاشم الذي لا يرعى حرمة الأطفال الرضع، والنساء الثكالى، والرجال العزل. وأصبح التعطيش وسيلة للقتل، وأداة لزهق الأرواح البريئة.
إنها والله لمأساة يندى لها الجبين، ويا للأسف الشديد، بتنا لا نستطيع حتى النظر إلى تلك المشاهد التي ينفطر منها القلب وتدمع لها العين ويزيغ منها العقل.
وما يؤلمنا أكثر أن العالم بأسره يرى ويسمع ويشاهد، لكنه لا يحرك ساكنًا. ومع أن آلاف أطنان الطحين مكدسة خلف القضبان، إلا أنه لا يستطيع إدخال شيء منها. إنه الهوان والضعف والخذلان لأمة الإسلام.
إن ما يحدث في غزة من تجويع وترويع وتشريد، لهو عار على جبين البشرية جمعاء. ونلحظ أن دول الطوق صامتة، والعالم الإسلامي في سبات عميق، وقادة العرب والمسلمين عامة – إلا من رحم ربي – أصبح العالم اليوم إما في خنوع وخضوع وخوف، وإما يتسابقون لتلبية رغبة إسرائيل، ويغضّون الطرف عن صرخات الأطفال، وآهات الثكالى، وبكاء الشيوخ، وأنين الجوعى، فالأرواح تُزهق كل لحظة وحين بلا رادع من دين ولا وازع من ضمير.
أيها العالم الكبير، أيها الإنسان، أيا كانت ديانتك وأيا كانت توجهاتك، أناشدك باسم الإنسانية وباسم الضمائر الحية – إن كانت لا زالت حية – وأقول:
ألم يبقَ في صدورنا ذرة ضمير؟ أين ذهبت نخوتنا؟ أين ذهبت إنسانيتنا؟ وأين غابت عنا الرحمة والشفقة وإغاثة الملهوف وقضى حاجة المحتاج؟
أيها المسلمون في كل بقعة من الأرض، إن لم تتحركوا من أجل غزة، ولا من أجل الدين، ولا من أجل العروبة، ولا من أجل الأخوّة، فليكن من أجل أنفسكم، فإن عاقبة الصمت لن تكون هيّنة.
إن الله لا يظلم أحدًا، لكنه يمهل ولا يهمل. وإنّ سنن الله سبحانه وتعالى لا تتبدّل ولا تتحوّل. فإن استمرّ تخاذل المسلمون عن نصرة المظلوم، فلا ندري، فقد يبتليهم الله بما ابتلى به أهل غزة، فيذوقوا من كأس الذلّ ما ذاقه إخوانهم، ويحلّ بهم ما حلّ بغيرهم.
قال النبي ﷺ:
“مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.”
صدق رسول الله ﷺ
لقد سقطت الأقنعة، وانهارت الشعارات، وظهرت معادن الأمم، وتبيّن الخيط الأبيض من الأسود. وغزة – رغم الألم – لا تزال صامدة، تكتب بدمائها تاريخ العزة والكرامة الذي سيظل علامة فارقة في التاريخ المعاصر وللأجيال القادمة. إذ تبعث غزة برقياتها إلى كل من يسمع رسائلها الأخيرة، ولا شك أن لسان حالها وحال أهلها الكرام الأبطال يقولون:
لا تتركونا نموت جوعًا… لا تتركونا نباد صمتًا…
لا تقتلونا مرتين،
فعسى أن يكون في هذا العالم الفسيح الواسع من يستجيب لهم، وعسى من ضميرٍ إنساني حي أن يُستنهض، وعسى أن يكون في هذا العالم من يجرؤ على قول “لا” للظلم والطغيان.
إن غزة لا تريد بيانات شجب وتنديد، ولا استنكارات وكلمات قوية ورنانة في اللقاءات والمؤتمرات، ولا تريد دموعًا على الشاشات وعند المشاهدات…
إن غزة تريد أفعالًا تتوافق مع الأقوال، وتريد كسر الحصار، وتريد نصرة حقيقية… قبل أن يفوت الأوان، ونندم حين لا ينفع الندم.
أيها العالم، أيها الإنسان، أصحاب القرار، وأصحاب الكلمة، أناشدكم بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ: الاستعطاف، والاستنجاد، والاستغاثة بأن تهبوا لنجدة أهالي غزة، فقد مات البشر، وأصبحت الدماء مدرجة على الرمل والحجر. وإن لم تكن وقفتكم رحمةً بأهل غزة…
فاجعلوها رحمةً بأنفسكم…
فالتاريخ لا يرحم، والله سبحانه وتعالى لا يغفل، وإن جولة الباطل ساعة، وجولة الحق إلى قيام الساعة.
والله المستعان، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



