الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

حين تصعد التفاهة ويتوارى العقل : أزمة وعي في العصر الرقمي (ج2)

أحمد الفقيه العجيلي

أثر التفاهة على التعليم والإنتاج

حين تصعد التفاهة وتتراجع الكفاءة، فإن أول القطاعات التي تدفع الثمن هو التعليم، الذي يُفترض أن يُخرّج العقول لا يُخرّج المتابعين.

ومع تعاظم رموز السطحية، يصبح القدوة عند الطالب ليس المعلم أو الباحث، بل صاحب المقاطع الطريفة والعبارات المثيرة.

وهذا ينعكس على القطاع العام، إذ تضعف الكفاءة ويُستبدل الأداء بالواجهة، وتُدار المؤسسات بعقلية العلاقات لا بالخطط، فينهار الأداء وتتدنى الإنتاجية.

 “صار الجهل يُسوَّق كحكمة، والتفاهة كذكاء اجتماعي.”

– آلان دونو

سقوط بغداد… حين تحكم التفاهة ..

في عهد الخليفة المستعصم بالله العباسي، أُهملت الجيوش وسُرّحت الكفاءات، وأُغدقت الأموال على الجهلة والمنافقين.

وبدل أن تُدار الدولة بالعقل، تحولت إلى قصر من ترف.

وكانت النتيجة سقوط بغداد عام 656هـ على يد هولاكو، ومقتل مئات الآلاف. كانت تلك نهاية مأسوية حين غابت الكفاءة وتقدّمت التفاهة.

الخسائر المجتمعية لصعود التفاهة

■ تشويه الرأي العام وضياع البوصلة

عندما يتصدر المشهد من لا علم له ولا تجربة، تتحول الساحة العامة إلى صدى للانفعالات، لا ميدانًا للفكر.

وحين تُقدَّم العبارات الطنانة على الحقائق، تتراجع القضايا الكبرى لصالح التفاهات، ويصبح الرأي العام أداة يُوجّه، لا صوتًا يُعبر.

■ غياب القدوة وارتباك المعايير

حين يرى الشباب أن النجاح لا يأتي من الاجتهاد والخلق والعلم، بل من السخرية أو الجدل الفارغ، تضعف القيم، ويضيع المعنى.

تُستبدل القدوة بالواجهة، والمحتوى بالمؤثر، والمُربّي بالمُروّج، فتتشكل أجيال تعيش في فقاعة شهرة، لا في واقع بناء.

■ تراجع التعليم وانحدار الأداء العام

عندما تسود التفاهة، لا يسلم التعليم من أثرها. يتراجع احترام المعلم، ويُستهزأ بالعلم، وتُختصر المناهج في “ملخصات سريعة”، وينعكس ذلك على المؤسسات التي تستقبل مخرجات التعليم، فتقل الكفاءة، وتنخفض الإنتاجية، ويختل الأداء في مفاصل الدولة والمجتمع.

■ تفكك مجتمعي وتمزق القيم المشتركة

التافه إذا تصدر، هدم لا جمع، وفرّق لا وحد. لأن أدواته ليست الفكرة بل الإثارة، ولا غايته الصالح العام بل البروز.

فتنشأ خلافات مفتعلة، وتُزرع ثقافة الاستهزاء، ويغيب أدب الاختلاف، فتتشظى المجتمعات بدل أن تتماسك.

“إن نظام التفاهة لا يفسد الأفراد فقط، بل يُنتج بيئة كاملة تُكافئ الامتثال وتُعاقب التميز.”

– آلان دونو

حين يُقدَّم غير المؤهلين: تحذير نبوي لا يُتجاهل

في لحظات اختلال المعايير، حين يُقدَّم من لا علم له، ويُقصى أهل الرأي والخبرة، فإن الخطر لا يكون فكريًا فقط، بل وجوديًا.

وقد حذّر النبي ﷺ من هذا الخلل العظيم في الحديث الصحيح:

*”إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة.”*

(رواه البخاري)

فالحديث يُنبه إلى أن إسناد المسؤوليات لغير المؤهلين من علامات الفساد الكبرى، ومقدمة لانهيارات يصعب تداركها.

وليس الحديث عن أهل المناصب العليا فقط، بل في كل أمرٍ يُدار بغير أهله: الإعلام، التعليم، القضاء، الرأي العام، وحتى المجالس المجتمعية.

كيف نعيد ترتيب المشهد؟

إذا كنا ندرك حجم الانحراف في المعايير، فلا بد من العمل على تصحيح المسار، عبر خطوات مجتمعية وفكرية وتربوية، تبدأ من الفرد وتنتهي بالمؤسسات:

■ بعودة أهل الفضل والرأي إلى المشهد العام

الصمت لم يعد خيارًا، ولا الترفع عن “سوق الكلام” مبررًا للغياب. يجب أن يستعيد العقلاء دورهم في الفضاء العام، خصوصًا في منصات التواصل التي أصبحت المصدر الأول للمعلومة والتأثير.في

ليس المطلوب مجاراة التافهين، بل الحضور بثقة واتزان، بصوت هادئ، لكن ثابت. لأن “من غاب عن الميدان، لا يلوم من احتله.”

■ برفع الوعي المجتمعي بقيمة الكلمة والرأي

ينبغي أن يُعاد تشكيل الذائقة الجمعية، من خلال التربية والإعلام والتعليم، ليدرك الناس أن الشهرة لا تعني الكفاءة، وأن الضجيج لا يساوي القيمة.

يجب أن يُعلّم النشء كيف يفرّق بين من يفكّر بعمق، ومن “يستهلك العناوين”، وبين من ينفع، ومن يملأ الفراغ.

■ بإحياء سنّة النبي ﷺ في اختيار القادة والمستشارين

كان النبي ﷺ لا يُقدّم إلا من توفرت فيه الكفاءة والأمانة، لا الشهرة ولا الحضور، وكان يسند الأمور إلى أهلها، لا إلى من يطلبها.

علينا أن نُعيد بناء ثقافة “المكان المناسب للشخص المناسب”، في التعليم، والإعلام، والعمل العام، والمناصب، والمشورة.

■ بإصلاح دور المؤسسات التربوية والإعلامية

لا يمكن إنقاذ الذوق العام ما لم تُراجع المؤسسات الإعلامية خطها، وتكفّ عن صناعة التافهين فقط لأنهم “يربحون المشاهدات”.

كما أن المؤسسات التعليمية مطالبة بإعادة بناء القيم والمناهج، بحيث تُنتج متعلمًا قادرًا على التمييز لا فقط على الحفظ.

■ بأن يبدأ كل فرد بنفسه

قبل أن نُطالب بإصلاح الإعلام، أو التعليم، أو المجتمع، يجب أن نراجع أنفسنا:

هل نُسهم – دون أن نشعر – في ترسيخ التفاهة؟

هل نُشارك في ترويجها، أو نستهلكها، أو نُقلّد رموزها؟

إن أولى خطوات الإصلاح، أن نختار من نتابع، ومن نستمع له، ومن نرفع صوته.

خاتمة: لا خلاص بلا وعي ..

لسنا في معركة محتوى، بل في معركة وعي.

لسنا ضد الترفيه، لكننا ضد تسويقه كمعيار للجدارة.

ولسنا ضد الشهرة، بل ضد أن تتحول الشهرة إلى بطاقة عبور لكل منبر وموقع تأثير.

إن بقاء التفاهة في الصدارة ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة غياب من ينهض بالفكرة، ويُعيد ترتيب المشهد.

وما لم نُحيِ في أنفسنا توقير الحكمة، واحترام العقل، فلن تشرق شمس على هذا الضجيج.

تذكّر دائمًا:

التافه لا يعلو إلا حين يصمت العاقل.

وإذا كنا لا نملك السيطرة على الخوارزميات، فإننا نملك الاختيار:

من نتابع، من نصغي إليه، من نرفع صوته، ومن نصنع له جمهورًا.

وهنا تحديدًا يبدأ استرداد صوت الحكمة، وسط هذا الضجيج.

يبدأ حين نُعيد ترتيب الذائقة، ونُعلي قيمة الفكرة، ونكفّ عن الترويج لمن لا يملك إلا الواجهة.

فالحكمة لا تموت، لكنها تنتظر من يمنحها منبرًا، ومن يصغي لها بإرادة حرة وعقل ناضج.

“لقد أصبح الفشل علامة على عدم فهم قواعد اللعبة، وليس على نقص في الكفاءة.”

– آلان دونو

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights