الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

التقبل والالتزام

د. سعود ساطي السويهري
إستشاري العلاج النفسي

الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى، من هذا المنطلق يدور الحديث عن موضوعنا” التقبل والالتزام”، فالأمراض بنوعيها النفسية والجسمية قد انتشرت في البلدان بصورة سريعة، فما كنا نسمع مثلا عن مرض السرطان إلا نادرا، وما كنا نرى تفشي الاكتئاب والقلق وغيرهما بهذه الصورة التي نشاهدها ونسمع عنها في هذه الآونة؛ والتي راح ضحيتهما حالات انتحار كثيرة ومتنوعة، ولا شك أن لكلا النوعين من الأمراض والاضطرابات تأثير متبادل على الآخر، فالجانب الجسمي يتأثر بالجانب النفسي، والجانب النفسي يتأثر بالجانب الجسمي، ويحدث هذا اضطرابات سيكوسوماتية مختلفة.

وقد ظهرت موجة جديدة في مساعدة ومعاونة هؤلاء الأفراد، انبثقت من العلاجات السلوكية والمعرفية الحديثة القائمة على اليقظة، هدفه يتمثل في عمليات التقبل والوعي والالتزام والتغير؛ لكي يحدث تغير سلوكي ملحوظ، حيث يؤدي الإرشاد بالتقبل والالتزام دورا مهما في تحسين الصحة النفسية؛ من خلال اكتساب القدرة على التعبير عن المشاعر والتعامل مع اللحظة الراهنة بكل وعي ويقظة، وتنمية مستوى الرضا والتقبل وزيادة مرونة الفرد النفسية، فالقبول والاعتراف والموافقة على تجاربنا ومشاعرنا الحالية شرط أساسي في هذا النوع من العلاج، مع الاعتراف من عدم مثالية الأحداث، وبالتالي لا ينبغي محاربة أحداثنا الخاصة التي نمر بها أو نهرب منها، فقبول الوضع الحالي ولو مؤقتا، يسهم في كبح جماح القلق، ويقلل من التوتر وعدم الراحة.

والحقيقة أن هذا المفهوم ليس مهما فقط لمن يعاني من اضطرابات أو أمراض معينة؛ بل هو أيضا مهما للوالدين وخصوصا ممن لديهم أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة؛ نظرا لما يعانوه من تحمل ضغوطات وغموض وخبرات مؤلمة، وقصور في القدرة على المجابهة والمواجهة والاستمرارية في الوقوف بجانب أطفالهم الذين يحتاجون وقتا طويلا في العلاج والتأهيل، وصبرا من جانب الوالدين، فيقويهم على التعامل مع الضغوط الحياتية، والتقبل والتعايش بواقعية، والنظر إلى المشكلات بعقلانية؛ مما يكون له الأثر الإيجابي على الأسرة بأكملها.

ومن خلال هذا النوع من العلاج أو الإرشاد يتم تدريب من يعاني من مرض معين على عدة فنيات من أهمها: كيفية التعامل مع الأحداث في اللحظة الراهنة، والعمليات الفسيولوجية، والتأثير في الأحداث السلوكية، ويكون ذلك بالتقبل الذي لا يعني الاستسلام والخضوع للمشكلات، بل يعني الاستعداد لأخذ قرار تجاه المشكلة، وتقبل وجودها وكذلك فنية التقليل من الخطر المعرفي، بمعنى التغيير في الأفكار غير المرغوبة وحساسيتها الموقفية، والعلاج بالتقبل والالتزام ينمي الاتصال بالأحداث النفسية فيخبرون العالم بصورة أكثر مباشرة؛ وبالتالي يكون سلوكهم أكثر مرونة، كما يتم التدريب على تحسين الشعور بالتسامي بالذات، وليس مجرد الوقوف على عقبة تقابلنا، مع محاولات التخلص منها ومواصلة الحياة، والتركيز على الحاضر، وعدم اجترار الأحداث السلبية، والاستعانة بالقيم في هذا الصدد.

ومن خلال ما سبق يمكن القول عزيزي القارئ بأن العلاج بالتقبل والالتزام هو مسار جديد ينبغي الوعي به وتعلمه لمواجهة ما قد يعترضنا من مشكلات وأحداث حياتية، فتتكون لدينا القدرة على الاعتراف بالمشكلة وعدم الهروب منها ونلتزم بخطوات حلها، فتتغير نظرتنا للأحداث من عواطف وأحاسيس وذكريات، بدلا من قمعها والاستسلام لها، فمفتاح حل الصراعات والأمراض والاضطرابات هو محاولات تغيير نظرتنا لهذه العواطف والأحاسيس، والتحلي بتحقيق المرونة النفسية.

وأخيرا التقبل والالتزم؛ تركيز على المهام، وخطوة للأمام،،،،

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights