الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
أخبار محلية

العمل الصالح لا يُقبل بلا توحيد: تأصيل قرآني

سليمان بن حمد العامري

في زمن اختلطت فيه الأصوات، وارتفعت فيه شعارات من قبيل: “الإنسانية فوق العقيدة”، بات لزاما على كل ذي بصيرة أن يعيد الناس إلى ميزان الله، لا إلى ميزان الهوى، وأن يزن الأقوال لا بالمشاعر، بل بالوحي والميزان القسط.

يردد بعض الدعاة – عن جهل أو ممالأة – أن الله يقبل من كل أحد ما دام يعمل الخير، سواء أكان نصرانيا أو يهوديا أو بوذيا، وكأنهم نسوا – أو تجاهلوا – قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85). واستدل بعضهم بقول الله تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ…﴾ (النساء: 123) لكنهم لم يكملوا السياق، ولم يقرؤوا ما قبلها ولا ما بعدها، ليظهر لهم أن الخطاب موجه إلى أهل الكتاب قبل بعثة النبي، حين كانت النجاة في اتباع ملة إبراهيم الحنيف، أما بعد البعثة، فقد خُتمت الرسالات، وسُدت كل الأبواب إلا باب الإسلام.

فكيف يُقبل عمل من أنكر رسالة محمد- صلى الله عليه وسلم – وكيف يُزكى من جحد آيات الله البينات وخاتم النبيين؟ نعم، الإسلام لا يزن الناس بطوائفهم أو مذاهبهم، لكنه لا يقبل عملا بلا توحيد، ولا يُجزى على الإحسان من أنكر القرآن والرسول. قال الله تعالى: ﴿مَّن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ثم استثنى فقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (النساء: 124). فالإيمان شرط القبول، والعمل الصالح ثمرة له، لا يُقبل منفصلا عنه، ولا يُنبت من أرض الكفر.

من الجرأة على دين الله أن يُساوي أحد الدعاة بين المسلم الموحد، الذي يؤمن بالله ورسله وبخاتم النبيين، وبين اليهودي أو النصراني أو غيرهم من أهل الكفر، ثم يزعم أن الله لا ينظر إلى الدين، بل إلى “العمل الصالح” فقط! فهل استوت كلمة التوحيد مع كلمة الشرك؟ وهل يُقارن من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، بمن قال: عزير ابن الله أو المسيح ابن الله؟ إن هذا خلط عظيم، وبهتان مبين، ومقارنة باطلة لا تُقبل شرعا ولا عقلا. وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (القلم: 35–36). فالله لا يقبل المقارنة بين المؤمن والكافر، ولا بين التقي والفاجر. والتقوى، التي هي الميزان الوحيد للتفاضل، لا تُقبل إلا إذا بُنيت على الإيمان الصحيح: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم. وقد قال صلى الله عليه وسلم: “لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى”، لكن أي تقوى؟ التقوى المبنية على الإيمان، لا على مجرد الأخلاق المجردة أو العمل الصالح المنفصل عن التوحيد.

وقد يقول قائل: ولكنهم يعملون الخير، ويطعمون المساكين، ويساعدون الضعفاء! فهل تضيع كل هذه الأعمال؟ نقول: نعم، يضيع كل عمل بلا إيمان، وهذا ليس ظلما، بل عدل إلهي؛ لأنهم جحدوا خالقهم، وكذبوا رسله، ولم يُسلموا لله بالطريق الذي ارتضاه لعباده. قال الله تعالى عنهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (الفرقان: 23). أي: جئنا إلى أعمالهم – من صدقة أو معروف أو إحسان – فجعلناها لا وزن لها، كالغبار المتناثر، لا يُنتفع به؛ لأنهم كانوا على غير توحيد. وهؤلاء هم من قال عنهم الله أيضا: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْنًۭا﴾ (الكهف: 105). فكيف يُقيم الله وزنا لعمل من أنكر رسالته ورفض نبيه وخالف طريقه؟ الإحسان الحقيقي يبدأ من الإيمان، والعمل الصالح لا يُقبل إلا بعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.

إن أخطر ما في الأمر، أن هذا النوع من الكلام “المجمل”، حين يصدر من داعية أو فيلسوف معروف، قد لا يُقنع العلماء، لكنه يُغوي العوام، ويُزلزل إيمان ضعاف النفوس. فإذا سمع المسلم البسيط أن الله لا يهمه دينك، بل عملك، قال في نفسه: ولماذا ألتزم؟ ولماذا أصلي؟ ولماذا لا أكون نصرانيا أو بوذيا أو بلا دين؟ مادام العمل الطيب هو الفيصل؟! وهنا تبدأ فتنة التشكيك في الهوية، والرضا بالكفر كطريق للنجاة، وهذا خطره أعظم من الشهوات. وقد قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ (التوبة: 37). فيا من تتحدث باسم الدين، تذكر أن كل كلمة تخرج منك، قد تفتح بابا للهداية، أو بابا للفتنة. لا تغوِ الناس باسم التنوير، ولا تُزين الكفر باسم “الخير المشترك”، فإن الخير بلا توحيد، هباء، والتنوير بلا وحي، تيه وظلام.

العدالة ليست في تمييع العقيدة ولا في تلبيس الناس، بل في البلاغ المبين، والرحمة القائمة على الصدق، لا على المجاملة أو المداراة. فيا من تنطق باسم الله، لا تغش الناس، لا تخدعهم بمفاهيم مضللة، بل قل لهم الحق كما أنزله الله. النجاة ليست بالأماني، بل بالإسلام. وباتباع خاتم الرسل، محمد صلى الله عليه وسلم. وبالعمل الصالح الذي يرضاه الله، لا الذي يُرضي الإعلام أو الغرب. وليست النجاة بالطوائف ولا بالمذاهب، وإنما في المقام الأول: الإسلام، كما جاء به خاتم الأنبياء، طائعين لله، مطيعين لرسوله، خاضعين لوحيه، متمسكين بسنته.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights