الأحد: 15 مارس 2026م - العدد رقم 2855
مقالات صحفية

رَســائـِـل فُـــؤَاد_ ج_١٦_ بين صمتُ الحياة وضجيج الدّاخل

فؤاد آلبوسعيدي

يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي..
(في كلّ إنسان تعرفه إنسانٌ لا تعرفه)

..إنّ ذلك الجانب الصّامت والهادئ الذي قد يظهر أحياناً على ملامح وجوهنا أو كذلك فجأةً عندما نرى إنعكاساته في بعض مظاهر تصرّفاتنا لن يعلم غيرنا أبداً عن حقيقة مُسبّباته الفعليّة سوى عندما يحادثنا أحدهم عن أسباب ردود فعلنا العكسيّة الصّامتة التي في الغالب ستظهر في صورةٍ قد يحاول الذي يرانا أن يقوم بالإجتهاد بتحليلها أو محاولة تفسيرها بطريقته وفطنته التي قد يجانبها الخطأ.؛ ذلك الجانب الخافي الذي نحاول المحافظة عليه بسريّةٍ في دواخلنا بعد إحدى اللّحظات المُنرفِزة هو ذلك الجانب الذي قد يجعل البعض يقوم بتفسير هدوئنا وصمتُنا على أنّه نوعاً من الخوف أو الجُبن أو الخُنوع أو الضّعف وربّما وُصِف بأنّه نوعاً من اللّامبلاة أو هو تجاهلاً لما هو حاصلٌ وواقعٌ أمامنا أو.. أو.. إلخ.

..كثيرة هي المواقف والأحداث في الحياة التي تجعلني أحياناً أُسْتَـنزفُ فكرياً فأخضَعُ ساعتها تحت حِكْر وسيطرة أفكاري الدّاخلية التي تقوم حينها على إجباري كثيراً في أن أُشغِل فكري بتحليل لحظات ما يحدث الآن وما حدث في الماضي وكذلك التّفكر بهذا الواقع في وقتنا الحاضر بل وأحياناً التّعمّق الفكريّ بما قد يحدث من حولي في تالي المستقبل المنظور وذلك أخذاً وعملاً بالمبدأ الذي يقول..
“كن دائماً متقدّماً خطوتين قبل الآخرين”.

..قد تصل الأمور بين أحدٍ وآخر فُراداً أو حتى بين مجموعة من الأفراد الذين يكوّنون فرقٍ وأحزابٍ متخالفة ومتعارضة إلى ذلك الحدّ الفاصل والخطّ الأحمر الذي قد تنقلب فيه الأحداث أو تنعكس فيه الأوضاع لتقع فيه الأمور رأساً على عقب أو إلى مستوىً أن تكون فيه المُجريات والتّبعات في طريقها إلى مستوى الإشتباك الشّفهي الحاد الذي قد لا ينتهي بتاتاً.!؛ يُبادرني الكثير من الذُهول عندما أصل إلى ذلك الموضع من الأمور التي تنقلني كثيراً إلى جولاتٍ عميقة أقوم فيها بتحليل ما يحدث تحيلالً فكرياً عميقاً وهو ما يأخذني أحياناً إلى فكرة وعبارة تبقى مُتجذّرة في رأسي يتردّد صداها كثيثيراً…
(في داخلك هنالك عالَمٌ من الأمور التي أنا وغيري قد لا نعرفها عنك بتاتاً وفي داخلنا نحن هنالك مجموعة من العوالم التي قد لا تعرف عنها أبداً).
تلك الجملة ربما عند قرائتها وفهمها بتمعّنٍ فإنّها قد تختصر لك حدود ومستوى النّقاشات بين الأطراف المتخاصمة.

..نحاول بقدر المُستطاع في جميع مراحل ولحظات حياتنا المختلفة أن نعيش في دائرة سلامٍ ووِئامٍ مع الجميع من حولنا على إختلاف قُربهم إلينا وعلاقتهم معنا سواءاً أكانوا أولئك من الأقارب أو الأصدقاء أو حتى العامّة من النّاس الذين نادراً ما نتعامل معهم ولكن ربّما تأتي شدّة الرّياح بما لا تشتهي السّفن.؛ في إحدى تلك المراحل من الحياة يكون المحافظة على ذلك السّلام الذي نريده إلى الأبد صعباً وربّما يكاد أن يكون مُستحيلاً..؛ قد يُصادف أنْ نقع داخل أزمةٍ من اللّحظات الجِدالية والنِّقاشية الحادّة مع الآخرين التي تتناقض مع الأجواء السّلمية التي صنعناها في طباعنا وأخلاقنا وهدوءِ أعصابنا.، في تلك الأوقات التي ربّما سنُجبر فيها على الصّراع مع الآخرين ربّما سنصنع في داخلنا شبكة من الصّراعات والتّساؤلات الفكرية التي قد تكون نسمة باردة ستخفّض مستوى الجدال أو تكون وقوداً وشرارة تزيد سُخونة الموقف وتؤجّج درجات الصّراع المُفاجئ الذي يتحوّل في لحظة قادمة إلى معركة لا تتوقف أبداً وقد يحدث أنْ يتراكم معها كذلك معارك أُخرى جديدة مع أفراداً آخرين كذلك .

..إنّه مِمّا يُنسب من أقوال الفاروق عمر بن الخطّاب-رضي الله عنه- هذا الحديث المأثور.. (أعقل النّاس أعذرهم للنّاس).
نحن في مختلف نواحي الحياة سنجد بأنّ مُجمل معاركنا وصراعاتنا اللّواتي نخوضهن في كثير من الأحيان هنّ في الغالب تحدث وتقع بسبب ظروفٍ تُفاجئنا بيتنا نحن منغمسين في حالات الصّفاء حيث نعيش داخلياً لحظات الودّ والوئام فتأتي المفاجآت لتهلّ وتعصف علينا ثمّ تجعلنا بعدها نعيش لحظاتٍ مريبة لا نريدها لحظات تكاد أن تكون أذهاننا فيها تعيش في حالة شكّ من كلّ ما يحدث حولنا..؛ تعصفنا كذلك فجأةً ظروفاً مُماثلة تجعلنا بعدها نعيش داخلياً مع أنفسنا في مرحلةٍ ما من مراحل الصّراع الفكري والنّفسي التي تجعلنا نُربك عواطفنا تجاه الآخرين الذين لهم علاقة بما نعيشه بطريقة مباشرة أو حتى غير مباشرة.

..في خضمّ الكثير من الصّراعات الداخلية التي يقوم عقلي بصنعها وأنا أعيش بعض المعارك الجِدالية مع الآخرين أحياناً أجد من خلال التّجربة والمعرفة بأنّه قد يكون من الأفضل والأجدى بأن يبدأ وينتهي دوماً مستوى النّقاشات بين الأطراف المُتجادلة عند تلك النقطة التي نعذر فيها الآخرين قُصورهم مهما كان مستوى الحدث أو السّبب الذي قد يقودنا إلى حيث أنْ نضعهم في موضع الإتّهام..؛ وقبل الحُكم على تصرّفات الآخرين وعلى مجريات الأمور علينا أحياناً أن نضع ما يحدث عند الخطّ الفاصل الذي نرى فيه أُولئك الآخرين أبرياءاً من مّا نظنّه عنهم وذلك إلى أنْ نشاهد منهم بأعيننا حقيقة ما خلقه وسبّبه ذلك النّقاش الحادّ فأنت في الحقيقة قد لا تعلم عن كلّ الأمور والتّفسيرات في داخل ذلك الإنسان الذي ربّما أنت تسلبه حقّ البراءة من خلال شكوكك وإتّهاماتك.

ولعلّ أبلغ ما يُختتم به هذا التأمّل قول النبي صلى الله عليه وسلم:
“ليس الشّديد بالصّرعة، إنّما الشّديد من يملك نفسه عند الغضب”.
ذلك هو التحدّي الأكبر الذي يتوجّب علينا نتعلّم كيف نتجاوزه وكيف نضبط أنفسنا حينما نُستفزّ من أحدهم؛ وأن نحكم عقولنا حينما تشتعل العواطف وأن نُحسن الظّن حين يسهُلَ علينا الإتهام.

وعليه، فإنّ الخلاصة تهمس لنا بأنّ في داخل كلٍّ منّا عالَمًا خفيًّا بالغ التعقيد لا يُدركه بصَرٌ ولا تُحيط به نظرةٌ عابرة..، وما نلمحه في عيون الآخرين ليس إلاّ ومضة من ذلك العالَم وطرفَ خيطٍ رفيعٍ قد يتوارى عن إدراكنا حين يغمُرنا الضّجيج.
أما الحكاية الكاملة فهي تبقى طيَّ القلبِ لا تُروى إلاّ لمن يُصغي بصدق ويصبر بحبّ ويُتقن لغة القلوب حين تتكلّم بلا كلام.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights