الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

بين الأمواج العاتية

  ناصر بن خميس الربيعي

عندما زمجر البحر غضبًا، ارتعدت قلوب الصيادين خوفًا، لقد كانت الأسود تتربص بفريستها في الأعماق المظلمة، تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض، وبعد طول انتظار ويأس، عادوا بخفي حنين، فقد ذهبت جهودهم أدراج الرياح في مواجهة هذا العملاق الهائج، لقد أثبتت الأيام لهم أن ليس كل ما يلمع ذهبًا، فالبحر الذي بدا سخيًا في صباحه، كشف عن وجهه القاسي في مسائه.

   وعلى مدّ البصر، يتراقص الأفق بلونيه الأزرق والرمادي، حيث يلتقي البحر بسمائه الشاسعة، هنا، لا وجود لثبات إلا لقلوب هؤلاء البحارة، الذين لا يزالون يرتدون شظايا من شمس الأمس ويهمسون بصلوات عتيقة قبل أن تشقّ قواربهم الصغيرة عباب الماء، كل فجرٍ يحمل معه وعدًا بالرزق، ومعه أيضًا شبح الخطر الذي لا يغيب عن ذاكرتهم، عن صراعهم الأبدي مع أهوال البحر الذي لا يرحم.

   تتلون الوجوه بسُمرة السنين، وتتشقق الأيادي من ملوحة الموج وخشونة الحبال، إنها أيادٍ لم تعرف قط ليونة الأرض، بل تعانقت دائمًا مع قسوة البحر، كل نفضة من أشرعتهم المهترئة، وكل مجداف يغوص في الماء المتلألئ، نبضٌ من حياتهم، سعيٌ دائمٌ خلف لقمة العيش التي يخبئها هذا العملاق الأزرق في أعماقه الغامضة.

 عندما تهبّ العواصف، يتحوّل البحر إلى وحشٍ هائج، تتلاطم الأمواج كجبالٍ من الماء، ترتفع وتنهال بقوةٍ تُزلزل الأركان، في تلك اللحظات، يختفي صوت البشر تحت زئير الرياح وصراخ الموج، وتتراقص قواربهم كالريشة في مهبّ الجنون، هنا، تتجلى الشجاعة في أبهى صورها، عندما تتشبث الأيدي المرتعشة بحبال النجاة، وتتعالى الدعوات الصادقة لتخترق هدير العاصفة. البحارة في تلك اللحظات ليسوا مجرد صائدي أسماك، بل فرسانٌ يخوضون حربًا ضروسًا ضد إعصارٍ من الماء والغضب، عيونهم لا تعرف النوم، وقلوبهم تنبض بالإصرار، فالموت قريبٌ والنجاة أملٌ يتمسكون به بكل ما أوتوا من قوة.

  وبعد أن تتلاشى العاصفة وتتراجع، يبقى البحر متقلبًا، لكنه يعود إلى هدوئه النسبي، فتظهر الشمس من جديد، تلقي أشعتها الذهبية على الوجوه المتعبة، على الشباك المثقلة بالرزق بعد كدٍّ وعناء، يعودون إلى شواطئهم، يجرّون خلفهم غنائمهم المتواضعة، لكنها غنائمٌ تكفي لسدّ رمق عائلاتهم، لتدفئة قلوبهم وتحقق بعض ما تصبو إليه نفوسهم الحالمة بالثراء، هي ليست مجرد أسماك، بل هي قصة كفاحٍ، حكاية صمودٍ بين الأمواج العاتية، ترويها كلّ تجعيدةٍ على وجوههم، وكلّ بصمةٍ تركتها ملوحة البحر على جلودهم.

  إنها دورةٌ لا تنتهي، صراعٌ أبديٌ مع قوى الطبيعة، فكل غروب شمسٍ يحمل معه وعدًا بشروق جديد، وبداية رحلة أخرى نحو قلب البحر، حيث تكمن لقمة العيش، وحيث تتجدد حكاية البحارة وصراعهم الخالد.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights