يانخلة الدار
د. أحمد محمد الشربيني
من بحر البسيط
ياحِضن باسقةٍ اشتاقت لك الرُّطبُ
أما ترى غَالت طِفلك النُْوَبُ؟!
فلِي جذورٌ وإن شطَّ البعادُ بها
بيني وبين الوفا في بِرِّها سَبَبُ
قالوا النَّوى قِسْمةٌ حقٌّ فقلت لهم:
لاخيرَ في سَفَرٍ لم تُثْنِهِ حُجُبُ
وزار قلبي في ليلاهُ طيفُ تُقَى
هو الدَّواءُ وإن قالوا هو الوَصَبُ
تأملتْ فيه عيني قصةً نُقشتْ
وحولها كانت الأطفالُ تصطخبُ
تنسمَتْ فيه روحي
نفحةً صعدتْ
وإثرها باتتِ الأذكارُ تَنتحِبُ
يانخلةَ البيتِ كم لي فيكِ من عِظَمٍ
إذا تُذُكِرَّت الأجدادُ والحسبُ
يادعوةَ الأمِّ كم لي فيكِ من مِنَنٍ
إذا تُذُكِرَّت الأفضالُ والعجبُ
يابوصلةَ الدارِ كم لي فيكِ من قِصصٍ
إذا تُذُكِرَّت الأحلامُ واللعبُ
ياقبلةَ الطِّفلِ كم لي فيكِ من مَرَحٍ
إذا تُذُكِرَّت الأعيادُ والشَّغبُ
إذا دعتْ قامت الدنيا على قدمٍ
رضاؤها الجنة الخضراء والذهبُ
سكينةٌ لايوازي ظلها وَطَنٌ
فالأم ليس لها صِنوٌ ولاتَرَبُ
وبسمةٌ طالما لُذنا بهيبتها
كالبدرِ تَصْغرُ عن مصباحه الشُّهبُ
صبرٌ ولا ألمُ كدحٌ ولا كَلِمُ
روح ولانَصَبُ جِدٌّ ولاغضبُ
أمي أنا باسمها الشادي وكم هَتفوا
ألا يَسُرَّك التَّهذيبُ والنَّسبُ؟!
فالنخل لولا عُليَّاها ورفعتها
لم يُعرَف الحلو أو لم تُؤكل الرُّطبُ
والأمُّ لولا سُمَياها ورحلتها
لم يصدح النُّجحُ ولم تطمح الكُتُبُ
كم لَمةٍ عشتها أهفو مآثرها
فيها الطفولةُ حَقْلٌ والهُدى طَلَبُ
كم ليلة نَخلتي تهمي مدامعها
إذا اغتدى للقبورِ السادة النُّجبُ
لثَمتُ قبر رضاها بين عترتها
فانتابني رغبٌ و اجتاحني رَهَبُ
أشتاقُ للبيتِ مما كنتُ أغبطه
يادهرُ إن مواويلَ الجوى لَهَب
يابنتَ خير جدود الحيِّ عافيةً
وإن تباهوا وإن حازوا وإن نسبوا
هم أورثوك العلا واستخلفوك على
أغصانهم فنما الأحفادُ والصُّلُبُ
فاليُتمُ ليس له بنتٌ ولاولدُ
والبينُ بينهما يشري وينتهبُ
قالت:أتيتَ؟ وفات الأهلُ أُمَّهُم
ألا تعللك الأسفارُ والرُّتب؟!
فقلت:كلَّا فَما تجدي مآثرنا
في قريةٍ بِيع في أحداقها الأدبُ
قالوا: العزا أسرةٌ تنمو قلت لهم:
لاخيرَ في غَرْسةٍ لم يسقها تَعَبُ
قالوا الهنا صرةٌ تزهو قلت لهم:
لانفعَ في ثروةٍ لم يحمها عَصَبُ
ذق نخلةً تستقي من نبع ساقيةٍ
أما ترى كيف شاهت تحتنا السُّحبُ؟!

