القيم بين الهوية والتصدع
حبيب بن مبارك الحبسي
حينما تتجسد أمامك تصرفات وسلوكيات دخيلة على المجتمع من الشباب بفئتيه؛ تشعر بتلوث يعكر صفو ذلك اليوم، وتتساءل ما الذي تغير؟ وما أسباب ذلك؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك الهبوط الأخلاقي؟ .. وأين قوة الرادع،؟ ولماذا لا تقاوم وتنتقد هذه السلوكيات كونه يصيب الهوية الوطنية بنزيف قيمي خطير.
إن بعض تلك السلوكيات قد يكون بعضها دخيلة من خلال التقليد معنا لا تتماشى تعد مستهجنة.. ومقززة… مرفوضة جملة وتفصيلا؛ ويرفضها كل حر ومربي فاضل.. لأن خطرها ليس مؤقتا ولهذا يجب أن توأد في مهدها.
حينما نتحدث عن القيم نتحدث عن ضوابط أخلاقية ورادع تعد هوية وطن اكتسبها جيلا عن جيل؛ فهي متوارثة وتحفظه من تيارات دخيلة حتى لا تغير في نسيج قيم هذا الوطن الأصيل.
ومن تلك القيم والعادات.. السلوكيات التي انتشرت الأكل بيد الشمال والأخذ والعطاء و المتغنجين في أصواتهم، وأصحاب الرقص الساقط.. وغياب السمت الأصيل وعادات المجالس لا الحصر وغيرها.
لقد استوقفني ذات مرة مشاهدة مقطع يعرض للتلاميذ للمرحلة الدراسية الأولى في إحدى الدول يبين فيه كيفية تأصيل القيم لتكون ممارسة وتطبيق في سلوك يعيشه التلاميذ.. المشهد؛ معبر كثيرا.. لأنه ينادي بالتطبيق لمثل هذه المعاني لا بكثرة الكم الهائل والحشو من المعلومات، فهؤلاء يدركون أبعاد هذا الاتجاه مستقبلا وعلى حياة أمتهم. كم وكم يجدر بنا أن تحتوي مناهجنا هذا النهج؛ لأنه مُستقى من كتاب الله وسنة رسوله -صلّ الله عليه وسلم- والذي إن عملنا به ضمنا القيم استدامة لكافة أجيالنا.
لا يكتفي بأن نحشو أبناءنا بمفاهيم نظرية؛ لأنها تتبخر، ولعلّ من أجمل محطات الغرس الحرث والسقي والمتابعة لترى الحصاد ثمارا يانعة في سلوك الأجيال.
نعم، قد نفتقد إلى مصطلح التعليم بالقدوات لدى المعلم والأب والأخ وعلى من تقع عليه مسؤولية التربية، هذا الاتجاه إن بعثرت خطواته، فالأب يتحمل الجزء الأكبر؛ لأنه غافل عنه، وقد يشاهد في أبنائه جانب القصور لديهم ولا يكترث أو ربما كمثل فاقد الشيء لا يعطيه..
حتى المعلم القدوة بحاجة إلى َشحذ همم القيم لديه لأنه المعول الأكبر والأقرب إلى التأثير والتأثر لدى الأبناء.. فلا يكتفي تأهيله أكاديمياً؛ بل عليه أن يتحمل مسؤولية تطبيق القيم فهو مشعل التنوير والتغيير.
إن شبكات التواصل الاجتماعي هي إحدى المدمرات التي قد تقضي على هذه العادات، فالغالبية العظمى في الأسرة في عالمه بتفاعله مع محتويات هذه البرامج وما تفرزه من تداعي التصدع بالقيم.
على الجميع معرفة خطورة السلوكيات التي تفرز حدثا دخيلا وعلى المؤسسات الحكومية والخاصة والمجتمع المدني ذات الصلة أن تتبنى مشروع قيمي يهدف إلى الحفاظ على الهوية الوطنية بعاداتها وقيمتها وتقاليدها ممارسةً لا تنظيرا، مع ما تضمنه من برامج تعني برفع الشأن في هذا الجانب؛ فهذه الأجيال لابد أن تُحصن بهويتها وفق منهجية وبخطط متكاملة مع كل الجهات ذات العلاقة.
رحم الله تعالى الآباء والأجداد.. كانوا مدارسًا في التربية والتعليم.. لم يدرسون تخصص الأخلاق والقيم بشهادات عليا… بل كانت تمارس بشكل حياتي.. وتتابع وتهذب وهكذا يتعود عليها الناشئ، إن شذ في سلوكه؛ هذب.. وإن عصفت بالرياح حركات غير مألوفة استقام لها العود غلظته..
هكذا هي القيم تدرس وتعلم تطبيقا؛ فإن لم تكرس الجهود للأجيال سنرى سلوكيات دخيلة مستحدثة ولا يمكن علاجها… فوقاية المجتمع مسؤولية الجميع والحفاظ عليه الحفاظ على هوية وطن.



