نقطة أول السطر .. لأن البوح أحيانًا نجاة

عادل بن حميد الجامعي
كم هو رائع وبديع.. بل كم هو نافع وناجع.. أن يُؤذن لك لتكون على سجيتك، أن تجد من تُسند عليه ثقل نفسك دون أن يُصلحك أو يُحاكمك، أن تفتح بين يديه صفحةً لا تحتاج إلى تنقيح، تسرد فيها بعض مشاعرك الخفية، تلك التي لا تُقال في الاجتماعات، ولا تُكتب في رسائل العمل، ولا تُعلَّق في فضاء التواصل، بل تُهمَس بين اثنين.. ذوقهما من ذات الحرف، وروحهما من نفس النَفَس.
أن تجد من تُحادثه فتخادجه في همّك، وتسامره بين همسة وابتسامة، وتُفتر بين يديه كقهوة دافئة تتصاعد منها أحزانك شيئًا فشيئًا.. حتى لا يبقى منها إلا بخارٌ خفيف.. ينقش على صدره امتنانك.
فشكرًا لكل من يسمع.. لا ليُجيب، بل *ليحتوي..* وشكرًا لكل من ينصت.. لا ليُبدي رأيًا، بل *ليمدّ ذراعه كأنما يقول: أنا هنا.. شكرًا للصدور التي لا تَضيق، وللقلوب التي إذا احتضنتك، أفرغت عنك الحياة قليلًا.. فعدتَ أخفّ مما كنت، وأهدأ مما حسبت.
لكن مع كل هذا، ومع عذوبة البوح، تبقى بعض المشاعر..*أعمق من أن تُحكى،* أرهف من أن تُصاغ، أشفّ من أن تُحمَل على كتف بشر.
بعض المشاعر لا تنجو إلا في *سجدة..* سجدة في محراب ليل، حيث لا يسمعك إلا الله، ولا يراك إلا من يعلم انكسارك قبل أن تَهمّ بالبكاء. تبكي فيها بكل حياء، تبوح دون تنميق، تُفضي بكل ما فيك، فلا يُخطئك الفهم، ولا تُخشى من سوء التأويل.



