مداد القلم
خلفان بن ناصر الرواحي
تتناثر الحروف في مخيلتي، وفي ذهني الكثير مما قرأت في كتاب أو سمعت من أحد الأساتذة النجباء، أو حديث جرى على لسان أحد العلماء، أو حكمة أو حوار مع أحد من أفراد الأسرة أو الأقرباء أو صحبة أو في موقف معين من طرفٍ آخر…
كل حرف يجر إلى اندفاع مداد القلم ليسيل على الورق، أو تحركه الأنامل بلمسة خفيفة على شيء يلامس تناغم الكلمة مع خلجات الذاكرة؛ فتتناثر الكلمات في قالب معين دون مبالغة في التعبير عما هو موجود في أعماق الذات التي تتوق إلى التعبير بروح معنوية عميقة، كما أنها تعبر عما هو مراد من تعبيرات النص التي لا تنتهي إلا ببسط الهدف من أجل تحقيق ذلك المبتغى في ساعة صفاء الذات من كدر الحياة المكتظة بمواقف الحياة المختلفة في الماضي والحاضر وربما التفكير في المستقبل المجهول الذي لا يمكن التنبؤ به…
حتى وإن سلمنا بأن مداد القلم قد يكون نادرًا جدًا في حياتنا المعاصرة؛ حيث توفر الأجهزة الإلكترونية والتقنيات الرقمية الجديدة؛ فإن هناك حاجة ماسة لوجوده في حياة الإنسان وخاصة الكُّتاب، فهو بمثابة المفتاح الأساس الذي يعينهم للدخول إلى عالم الكتابة والتعبير، وهو شعور مرتبط ارتباطًا وثيقًا بجوهرية النص الإبداعي ليلامس متعة القراءة والكتابة معًا حتى وإن كان ذلك غير واقعي أو غير محسوس بشكله الطبيعي…
وهنا جاءت النشوة لنصبَّ مداد القلم على صفحات الورق كخرير الماء العذب من ينابيعه؛ لعله تتفتح له الأذهان لتعرف خفته في جريانه ونقاوته في سرده!
نعم، هو كذلك. تذكرت اللحظات ونقاوة الحياة الصادقة، وتذكرت كيف كانت الأيام الخوالي من صفحات أصحاب القلم، وجمال خطوطه الآسرة!
وهكذا دواليك، كلما قرأت الحروف التي ينظمها القلم وكيف يتم ربطها تذكرت مكانة مداد القلم مع الكتُّاب لاستنباط الكلمات المختلفة والجماليات الفنية لميلاد الإبداع الفني الذي يستحق القراءة والكتابة…
لهذا، يبقى مداد القلم حاضرًا بقوة عند كتابة النص الأدبي؛ فهو من ينثر الحروف في النص الأدبي الذي نريد على ضفاف نهر الكلمات العذبة في كل زمان ومكان، كما أن علاقة الكاتب به لا يمكن أن تنبتر مهما كانت نوعية الكتابة أو النص المكتوب، ومهما توافرت البدائل الحديثة في عالمنا المعاصر.



