التَّعافي في التَّغابي

د. محمد عزيز عبد المقصود
أستاذ مساعد بجامعة السلطان عبد الحليم معظم شاه الإسلامية العالمية UniSHAMS
أصبحنا اليوم في عصر تكاثرت فيه الأمراض وتنوّع تشخيصها، وتعدّدت وصفات علاجها، وقلما تجد أحدا إلا وهو يطلب الراحة والعافية والمعافاة وينشدها صباحا ومساء في الدين والدنيا والآخرة، وكم تمنّى أن يكون في عيشة هنيئة راضية يجني الثمار والقطوف الدانية!
ولا شك أن التغابي أو التغافل أو التغاضي مصادر مختلفة في اللفظ متقاربة في المعنى، وتعني أن تكون على علم بصحيح الشيء وتتظاهر بالجهل وعدم المعرفة، ولا تلتفت له ولا تنغمس في تفاصيله لحكمة محددة، ونشير إلى أن التغابي عن أمور محددة لا يعني التغافل عن تقديم النصيحة لمن يحتاجها، أو تصحيح مفهوم لمن جهله، وإنما نريد من فحوى مقالنا أن نشير إلى أن هناك أشخاصا بعينهم كثيرا ما يرون أنفسهم على صواب في كل شيء، وأن غيرهم لا يمتلكون سوى التبعية لهم، وإذا حدث نقاش في قضية ما أو عبّر كل منهم عن رأيه؛ كانت الإشكالية في أنهم يظهرون ضعف غيرهم وأنهم لا يفهمون جيدا، وأن مستوى فكرهم لا يرقى لمستواهم، وأنهم غالبا يعتدون برأيهم، وكلما حاولت لفت أنظارهم إلى أنه ليس من الفطنة أن يكونوا على صواب في كل مرة نظروا إليك بعين الازدراء وأن هذه عادتهم دائما في التعامل مع كل أمر، ومبررات ومبررات وليتهم سكتوا!
والتناصح أمر واجب، وتوجيه الآخرين إلى ما فيه خيرهم والصلاح لهم أمر مطلوب، لكن مخالطة الآخرين والصبر عليهم، وبناء العلاقات واستمرارها والمحافظة على القلوب أمر أوجب، وفي هذا يقول عبد الله بن عمر فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:”المؤمِنُ الَّذي يُخالِطُ النَّاسَ ويصبِرُ على أذاهم أفضَلُ مِن المُؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ ولا يصبِرُ على أذاهم”. أخرجه ابن ماجه (4032) ؛ لذا كان هذا التنبيه؛ حتى لا يقول قائل: إن هناك خلطا بين الأوراق، فالنهار جليّ والشمس مشرقة، فأحيانا يتطلب الأمر أن تكون ناصحا ومرشدا وموجها، وأحيانا أخرى تدرك الحق بعينك البصيرة، ولأجل المحافظة على ودّ أو علاقة أو غيرهما؛ تتغافل، وكما يقال:” تظهر نفسك أنك متغابي”.
والناس بطبيعتهم يميلون إلى من يتغاضى عن زلاتهم وعدم تتبع النقص عندهم وإظهاره، وفي هذا يقول الإمام الشافعي:
أُحِبُّ مِنَ الإِخْوَانِ كُلَّ مُوَاتِي
وَكُلَّ غَضِيضِ الطَّرْفِ عَنْ عَثَرَاتِي
وقد تجلّت آيات القرآن الكريم في الإشارة إلى خلق التغافل، هذا الخلق العظيم الذي لا يتحلّى بعباءته إلا الأقوياء، ومن تلك الآيات قوله تعالى في سورة يوسف من الآية (177): (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ). وقد وضح التغافل في أن سيدنا يوسف -عليه السلام- كظم غيظه، وأسرَّ الأمر في نفسه.
وهناك أنواع متعددة من التغافل أو التغابي منها التغافل بين الناس عامة، والتغافل في الأسرة الواحدة، بين الأبوين، وبين الأبناء بعضهم بعضا، وبين الأبوين وأحد أبنائهما، والتغافل بين الأصدقاء (وهذا مقصد حديثنا هنا) وغير ذلك كثير.
ولا شك أن خلق التغافل يجسد لنا أهمية العلاقات مع الآخرين ممن نتعايش معهم؛ فيمكننا أن نتقبل الآخرين من خلال التغاضي عن بعض الأمور التي نحن على علم وإدراك لما نتغاضى عنه؛ لتبقى حبال الود موصولة، ولما كانت طبائع الناس مختلفة، وأنه ليس هناك شخص كامل التصرفات، فهناك أحوال يشعر أحدنا بضيق نحو آخرين لا تعجبنا أفعالهم ونرى أن فيها نقصا يعتريها؛ كان على كل واحد منا أن يتقبل الطرف الآخر، وأن يتغاضى عما لا يعجبه فيه.
وفي تحصيل العافية قيل للإمام أحمد –رحمه الله-:”العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في التغافل”، فقال:”العافية عشرة أجزاء، كلها في التغافل”، فليس التغافل دليلا على الغباء أو السذاجة بل هو العقل والحكمة، وهناك فرق كبير بين التغابي والغباء، فالأول أكثر الناس ذكاء لكنه يتظاهر بالجهل مع المعرفة، فهو إستراتيجية في الذكاء، والثاني ضعف في الفهم والتفكير والأسلوب والحوارات مع الآخرين وغيرها.
وما أحوجنا اليوم إلى التغافل والتغابي في شئون من حياتنا! فإذا أسر أحد منا شيئا في نفسه أو تناقش مع غيره في أمر ما أو وقف عند كل كلمة، وشغل نفسه بتتبع أحطاء الآخرين، وبدأ يحاسب على كل صغيرة وكبيرة؛ فسيكون بلا شك أشد الناس شقاء، وأكثرهم نكدا، وأفقدهم صحة وعافية.
فالإنسان الذي يتغافل عن زلات غيره يكون قريبا من ربه محبا لمن حوله محبوبا منهم، ويهبه الله تعالى صدرا سليما نقيا من الأحقاد والأضغان؛ مما يجعله يستشعر العافية ويستمتع بحياته في هدوء ويريح باله من أمور قد تقف حجر عثرة أمام تحقيق أهدافه وطموحاته وآماله؛ ولهذا كانت العافية كلها في التغافل، وما أجمله خلقا!
ولعلنا ندرك بعد كل هذا أننا لو استرجعنا بعض ذكريات الماضي وكيف تعاملنا مع أمور عدة لم نتغافل فيها؛ لأدركنا أن هناك أشخاصا فقدناهم بسبب علاقات تأثرت بعدم التغاضي، ولو عاد بنا الزمان لكنا تراجعنا عن كثير من قضايا تمسكنا فيها بآرائنا ولم نتغاضَ فيها عن هفوات الآخرين؛ محافظة على علاقات ود بيننا كنا نأمل أن تدوم وتستمر، وليتها كانت!



