السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
مقالات صحفية

“وَهْمُ الاصْطِفَاءِ وَحَقِيقَةُ الاسْتِعْلَاءِ”

إسماعيل بن مسعود بن غفيل الراشدي
@ismail_alrashdi1979

على مرّ التاريخ، كان الاستعلاء والطغيان والجبروت، والتطاول على الذات الإلهية، مؤشرًا على انهيار أعتى الإمبراطوريات وأقوى الأمم وأعرق الحضارات؛ وإلا، فأين ذهب ملك فرعون؟ وأين انتهت مملكة سبأ العظيمة؟ وكيف كان مصير النمرود؟

تبدأ شرارة الفشل من البطر والظلم، اللذين ينخران في جسد الدول من الداخل حتى يصبح كيانها هشًّا، مجوَّفًا، لا يلبث أن يتعثر ويسقط في اختبارات كان يعدّها سلفًا مجرد عبث أو استعراض للهيمنة. وفي غمضة عين، تتحول تلك الشرارة إلى جحيم يأتي على كل شيء، ولنا في التاريخ شواهد وأمثلة.

قد يبتلي الله عز وجل بعض الأمم بالفقر والجوع ليختبر صبرهم وتسليمهم للقدر، وقد يبتليهم بالقوة والثراء ليختبر شكرهم للنعم واتباعهم سبيل الرشاد. ولعلّ تباين هذه الابتلاءات هو أقوى مُرشّح يميز به الله الخبيث من الطيب. ومن الأمثلة على ذلك ما أنعم الله به على بني إسرائيل من نِعَم جحدوها وأنكروها. فقد اصطفاهم الله عز وجل، وكانوا أكثر الأمم حظًّا بالرسل، كما ورد في القرآن الكريم، حيث تزامن عدد من الأنبياء في حقبة واحدة، قال تعالى:
﴿إِذْ أَرسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾- (يس: 14).
وقد أشار الدكتور طارق السويدان في كتابه (فلسطين.. التاريخ المصور) إلى تزامن ثلاثة أنبياء هم: زكريا، ويحيى، وعيسى عليهم السلام. لكن بني إسرائيل لم يعترفوا بنبوة عيسى، واعتبروا زكريا ويحيى من كبار الكهنة آنذاك، ثم قتلوهما، وكانوا يبيّتون قتل عيسى لولا أن رفعه الله إليه.

لقد منّ الله على بني إسرائيل بالعلم والذكاء، لكنهم استثمروه في الحيلة والمكر، حتى وُصف ذكاؤهم بالذكاء الإبليسي، وعلى سبيل المثال لا الحصر، برز من بينهم علماء من أصول يهودية غيّروا وجه العالم، كألبرت أينشتاين (واضع نظرية النسبية)، وأوبنهايمر (أبو القنبلة النووية). غير أن هذا التقدم العلمي لم ينعكس تواضعًا أو سلوكًا أخلاقيًا، بل زادهم غرورًا وعتوًّا في الأرض وكان ردهم في القرآن الكريم:﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ.. ﴾- (المائدة:64).

كوضوح الشمس نرى أن المال أصبح لدى بعضهم معبودًا من دون الله، كما وصف كارل ماركس بقوله: “إن المال هو إله إسرائيل المتحمّس، الذي لا ينبغي أن يوجد أمامه إله آخر”. فقد شكّل المال لديهم بنية فوق دينية، بحيث تسيطر على القيم والأخلاق بما يخدم مصالحهم، بل أنهم ينظرون إلى غيرهم من البشر كأدوات لتحقيق هذه الغاية. لذا، فقد أحكموا الوثاق على الجانب المالي والاقتصادي، فهم بلا ريب يمتلكون معظم رؤوس الأموال في العالم، والأدهى من ذلك أنهم يتحكمون في أغلب الأنظمة التكنولوجية المستخدمة في دول العالم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

إن الوعد المشؤوم، المعروف بـ “وعد بلفور”، الذي نصّ على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين عام 1917، يُعدّ حدثًا مصيريًا في تحقيق الحلم الصهيوني بإقامة الدولة اليهودية -المزعومة- إلى أن تم إعلان قيامها عام 1948، ومنذ ذلك اليوم وإلى الآن، لم تهنأ إسرائيل بوجودها، بل ظلّ الوجود الفلسطيني، والمقاومة كابوسًا يطبق على كل هذه الأحلام السرابية الزائلة.

لقد جاء إعلان هذا الكيان ومعه نهج حرب الإبادة والتهجير، وهو النهج ذاته الذي استُخدم في الولايات المتحدة وأستراليا، حيث تمت تصفية السكان الأصليين واستبدالهم بالمستوطنين بنسبة 100٪. غير أن ذلك مستحيل في فلسطين لاعتبارات دينية (وعد الله في القرآن الكريم) وللمنهجية والظروف الفلسطينية المختلفة تمامًا عن تلك الدول. ففلسطين ليست قبائل متفرقة، بل شعب أصيل يمتلك مقوّمات الحياة والمقاومة، يتمثل ذلك في نسب المواليد العالية، والخصوبة، والبعد الثقافي والتاريخي والمعرفي، والتأييد الشعبي العربي والإسلامي النسبي، فضلًا عن التوثيق الإعلامي المستمر للمجازر وحرب الإبادة، وهو ما يعيق تنفيذ هذا المخطط حتى وإن بدت هذه العوامل هشّة وضعيفة. وبحسب المجريات والأحداث أرى هذا النموذج الاحتلالي أقرب إلى النموذج الجنوب أفريقي والفيتنامي البائدين.

ولا شك أن ضعف ردود الفعل العربية والإسلامية على جرائم الإبادة والتجويع والترويع في غزة – باستثناء قلّة من الشرفاء – أدى إلى تعجرف واستعلاء الاحتلال المدعوم من الدول العظمى على رأسها أمريكا –رأس الأفعى-. وهذا بحد ذاته مثال على “الضعف بصورة قوة”، إذ تُظهر قرارات تلك الأنظمة تخبطًا وانجرافًا خلف مصالح شخصية لاستمرارية الحكم أو لأجندات اقتصادية بحتة، بينما تدفع غزة ثمن الخيانة والتواطؤ، لتكشف فضائح العملاء، وسكوت الأصدقاء، وصمت الأشقاء، وسقوط الأقنعة عن تلكم المنظمات التي كانت ذات بريق رنّان، بيد أن ذلك لا يلغي وجود أجندات نُسجت بالأسطورة، باستخدام أيديولوجيا العرق والدين.

وفي حوار مع الدكتور عبد الوهاب المسيري، حين سُئل عن تعريف “اليهودي”، لم يجد له تعريفًا دقيقًا، وفضّل تسمية “الجماعات اليهودية” بدلًا من “الشعب اليهودي”، لافتقار هذا الكيان للخصائص التي تُشكّل شعبًا حقيقيًا. وقد رأى أن أبرز إنجاز لهذا الكيان هو إنشاء جيوب استيطانية انتُزعت بالقوة وزُرعت بالقهر. ويمكن أن نعبّر عن “الإسرائيلي” بأنه المستوطن الممزق دينيًا وفكريًا وتاريخيًا، الغارق في مصالحه المادية التي تطغى على كل القيم التي يتشدق بها الإعلام. ويبدو ذلك جليًا في ازدياد الهجرة العكسية إلى أوروبا، والعزوف عن القدوم إلى “إسرائيل”، خاصة بعد كل عملية عسكرية مؤثرة أو توتر سياسي يزيد من المخاوف الأمنية لديهم. وعلى ضوء ذلك، يتضح أن هذه الجماعات تفتقر إلى المقومات الديموغرافية من حيث الكثافة السكانية والنمو، بينما يُؤرّق فلسطينو الشتات – ممن هُجِّروا إلى دول الجوار – ساسة الكيان الصهيوني، إذ جعلوا من حق العودة إلى فلسطين واجبًا مقدسًا وحقًا مؤجلاً، يتوارثونه جيلًا بعد جيل، برمز المفتاح الشهير، مشكّلين رافدًا بشريًا خارج فلسطين يُمثّل عمقًا استراتيجيًا لا غنى عنه مما يعزز من صحة نظرية الدكتور المسيري، ناهيك عن تباين التركيب الديني و تعدد التصنيف الطوائفي اللذان لن نخوض فيهما خشية الاطناب والخروج عن عمق الموضوع.

اليهود خصوصًا، والغرب عمومًا، يقرأون التاريخ جيدًا… ويحرّفونه جيدًا أيضًا. فمن حرّف التوراة والإنجيل، لن يصعب عليه تزوير صفحات التاريخ. وهم يعلمون جيدًا نهاية الممالك، من الرومان إلى المغول، ويدركون تمامًا أن كيانهم ليس “شعبًا”، بل جماعات وظيفية جُمّعت لتُستَخدم في بقعةٍ ما. ويعلمون أن عزيمة الشعوب تُقاس من وهج مقاومة الأطفال، وعزيمة الشيبان الكبار.

هم يعلمون أن الاستيطان الصهيوني يعتبر جسمًا غريبًا في الجسد العربي، وهو زائل لا محالة، وهذه حقيقة توارثوها جيلًا بعد جيل، لكن ما يقرّ أعيننا ويطمئننا هو ما رأيناه من مقاومة أهل غزة، الذين لا يقرأون التاريخ فحسب، بل يحفظونه عن ظهر قلب، ويكتبونه سجلًا حافلًا بدماء الشهداء.

وفي السياق ذاته، أستحضر الحوار التاريخي مع الداعية الشهيد أحمد ياسين – رحمه الله – حيث استشهد بتواتر الأمم كل أربعين سنة، مدعّمًا حجّته بالقرآن والتاريخ، مؤكدًا أن المقاومة ليست عشوائية، بل هي مشروع منظم بُني بأبعاد إسلامية دينية وبصبغة تاريخية، وتهيئة نفسية، واستعدادات عسكرية منذ أكثر من سبعين عامًا. وقد تجلّت هذه الحقيقة أكثر في “طوفان الأقصى” وما آلت إليه الأحدات إلى يومنا الحاضر.

ومن المستهجن بالتأكيد أن نجد بعض منا يخطُبون ودّ اليهود الذين عُرِفوا بأن الغدر لهم شريعة، والخيانة لهم عادة في دلالة واضحة على عدم استفادتهم من التاريخ، وكأنهم من قال الله فيهم:
﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾-(يس: 9).

وأختم بتغريدة أشبه ما تكون بالكوميديا السوداء، للدكتور حمود النوفلي، حيث قال:
“من حسن الحظ أن اليهود يرون أنفسهم شعب الله المختار، فيمنعون أي أحد من اعتناق اليهودية، ولا يتشرفون بأحد يدخل شريعتهم، وإلا لرأيت بعض المهووسين بحبهم من صهاينة العرب يدخلون إليهم زرافات ووحدانًا”.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights