حين تُغنّي الأماني .. ويصمت القدر
خلف بن سليمان البحري
في أعماق كل إنسان حكاية لم تُكتب، حلم لم يُكشف، وأمنية تنتظر أن يحنّ القدر عليها، نرسم بأذهاننا تفاصيل لم تأتِ بعد، ونرفع أيدينا في صلوات طويلة، نرجو ما نظنه الخير، ونُكثر من الدعاء وكأننا نحاول استعجال قبول الدعاء .
نرجو مستقبلًا مشرقًا، شفاءً من ألم، لقاءً لا يغيب، فرصة لا تُفوّت، وراحة تسكن القلب. تتحدث الأماني بصوتٍ دافئ، تهمس في ليالينا، توقظنا في صباحاتنا، تمنحنا وقودًا لليوم الذي بعده، لكن في لحظة ما، يصمت القدر… يصمت بلا تبرير، يغيّر المسار، أو يؤجل الأمنيات، دون أن يُبرّر أو يُعاتب.
ذلك الصمت… صاخب بما فيه من رسائل. صمتٌ يُعلّم من يصبر، ويهزم من يتعلّق، وهنا يأتي قول الله تعالى ليعيد الاتزان:
“وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ” [البقرة: 216].
فما نخشاه ربما يحمل بين طيّاته رحمة، وما نرجوه قد يكون في تأجيله نجاة.
الإسلام لم يُطفئ نور الأماني، بل أشعلها بالثقة في الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى”. هذا ليس فقط دافعًا للتمني، بل تعليمٌ بأن تطلب الأعلى، حتى لو بدا بعيدًا. غير أن تحقيق الأماني لا يخضع لرغباتنا، بل لحكمة إلهٍ يعلم ونحن لا نعلم.
في الطريق إلى ما نريد، نفهم شيئًا فشيئًا… أن بعض الأمنيات لم تكن لتكون لنا، لا لأنها لا تليق بنا، بل لأننا نستحق أفضل منها. وأن الأبواب التي أُغلقت، كانت ضيقة لا تتسع لحلمنا،وقد نُمنع من شيءٍ، لا عقوبة، بل صيانة لقلوبنا من ألمٍ أكبر.
وهكذا، نعيش بين أمنية تتكلم، وقدر يصمت، وقلبٍ يتأرجح بين الأمل والرضا. نُدرك حين ننضج، أن أجمل الأقدار هي تلك التي لم نخطط لها، وأن ما خسرناه كان أحيانًا أعظم مكسب.
عزيزي القارئ…
إذا تأخّر ما تنتظره، فلا تحزن. وإن تغيّر ما خططت له، فلا تبتئس، وإن بدا أن السماء صامتة، تذكّر أن الله لا يغيب، ولا ينسى، ولا يؤجل إلا لحكمة.
فالقدر لا يخذل من وثق، ولا يغفل عن دعاء صادق، حتى وإن طال الانتظار، وما بين أمنيتك اليوم، واستجابة الغد، ربّما يُعاد تشكيلك لتكون مستحقًا لما هو أعظم.



