مقالات صحفية

هل العُماني يعيش داخل متحف؟

      أسامة بن فهد المغيري

هل العُماني يعيش داخل متحف؟

في عُمان، لا يُعدّ التراث ماضيا مضى، بل هو نبض حاضر، وظلّ طويل يرافقنا في أدق تفاصيل حياتنا اليومية. فالزي الوطني ليس مجرد لباس، بل هو توقيع ثقافي على جسد المواطن، والعمامة ليست غطاءً للرأس بقدر ما هي إعلانٌ صامتٌ عن عمق الانتماء. وفي البيوت، لا تزال الحكايات تُروى كما لو أن الزمن لم يتقدّم خطوة؛ صوت الجدات ينسج الأساطير، ويملأ الزوايا بندى الماضي. كأننا نعيش داخل متحفٍ مفتوح، لكن دون جدران زجاجية أو حواجز، متحف تتداخل فيه الحياة بالتاريخ حتى يُصبح الحاضر انعكاسًا ناعمًا لصورة قديمة.

إن التقاليد العُمانية لا تُعرض فقط في المهرجانات الوطنية أو المناسبات الرسمية، بل تتنفس في الشوارع، في صالات الانتظار، وفي مقاعد الدراسة. فالهوية هنا ليست شعارًا مؤطرًا على الحائط، بل هي سلوك جماعي محكم. كما عبّر المفكر الفرنسي “بيير نورا” بقوله: “الذاكرة الجماعية تُعيد إنتاج نفسها في تفاصيل الحياة اليومية، لا في الوثائق فقط”. وهذا ما يعيشه العُماني دون أن يلتفت؛ هو يمارس تراثه بلا وعي أحيانًا، كأنّ الموروث سكن في روحه، لا في متحف.

غير أن هذا الحضور القوي للتراث يُثير تساؤلات جوهرية: هل نحن نمارس التراث لأننا نؤمن بحيويّته، أو لأننا نخشى أن نفقد ملامحنا في عالم متغيّر؟ وهل يمكن أن تتحوّل العلاقة بالهوية من ارتباطٍ حيّ، إلى قيدٍ خفيّ؟ هذه الأسئلة لا تُنكر جمال الموروث، بل تحاول أن تضعه في سياق نقديّ، يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان العُماني وماضيه.

حين يبلغ التمسّك بالتراث حدَّ الجمود، يُخشى أن يتحوّل من مصدر إلهام إلى قيدٍ يقيّد الحركة والتطوّر. في اللحظة التي يُمنَع فيها الشاب من التعبير عن ذاته؛ لأن لغته “مفرطة الحداثة”، أو تُوبَّخ الفتاة؛ لأنها أعادت تصميم زيّها الوطني بما يليق بعصرها، فإننا لا نكون أمام دفاع عن الهوية، بل أمام حصار باسمها. يصبح المتحف – بكل ما فيه من رمزية وحنين – جدرانًا غير مرئية، تحدّ من انطلاقات الأفراد، وتُقنّن أشكال التعبير والتفكير.

لقد حذّر الفيلسوف الكندي “تشارلز تايلور” من هذا النوع من التعلّق الصلب بالهوية، قائلا: “حين تتحوّل الهوية إلى قالبٍ مُغلق، تفقد قدرتها على النمو، وتفقد البشرية قدرتها على التنفّس من خلالها.” فالهوية، مثل النهر، لا تحتمل السكون؛ وإن جُمِّدت، تعفّنت.

وإنه لمن المفارقة أن أبناء الجيل العُماني الجديد يجدون أنفسهم أحيانًا مضطرين للانتماء إلى ماضٍ لم يعيشوه، ومتطلّبين بأن يُعيدوا تمثيله بأمانة لا تقبل التعديل. فبدل أن نمنحهم الحريّة في تشكيل نسختهم الخاصة من “الهوية العُمانية”، نُطالبهم بإعادة تمثيل نسخة محفوظة، كأننا نكتب تاريخهم نيابةً عنهم.

إن الخوف المشروع من الذوبان في العولمة لا ينبغي أن يدفعنا إلى تقوية الأسوار حول الذات، بل إلى بناء جسور بين الأصالة والتجديد. فالمتحف، إن لم يكن حيًا، إن لم يسمح للزائر أن يلمسه، ويتفاعل معه، ويتجاوزه، فلن يبقى إلا صالةً ساكنةً مليئةً بالغبار… جميلة، نعم، لكن بلا حياة.

رغم التحديات، فإن في المشهد العُماني المعاصر شواهد حيّة تُجسد قدرة المجتمع على استحضار تراثه لا كنسخة محفوظة في صندوق زجاجي، بل كقوة فاعلة في تشكيل المستقبل. ولعلّ أبرز الأمثلة على ذلك ما تقدّمه بعض المؤسسات الثقافية والتعليمية من مشاريع تحيي التراث بأدوات حديثة؛ كأن نرى معرضًا رقميًا يوثّق النقوش الصخرية العُمانية، أو فعالية فنية توظّف الفخار العُماني في تصميمات معمارية عصرية.

وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى مبادرات مثل “متحف بيت الزبير”، الذي لم يقتصر على كونه مستودعًا للآثار، بل تحوّل إلى مساحة تفاعلية تحتضن الندوات الأدبية، والعروض البصرية، والمعارض الفنية التي تُعيد قراءة التراث من زوايا جديدة. كذلك تُعد بعض المشاريع الطلابية في الجامعات – كمحاولة رقمنة الحكايات الشعبية أو توثيق الألعاب التقليدية بلغة الواقع المعزز – دليلًا على أن الهوية العُمانية لا تزال قادرة على التكيّف والانفتاح دون أن تتنازل عن نواتها.

تلك النماذج تُشير إلى مستقبل لا يرفض المتحف، بل يُعيد تشكيله؛ يجعل من الماضي طاقة مُحرّكة، لا واجبًا ثقيلًا. فحين يخرج المتحف من جدرانه، ويمشي بين الناس، ويتحدث بلغتهم؛ فإنه لا يعد مكانًا للتأمل فقط، بل فضاءً للإبداع.

إن التحدي الذي يواجه المجتمعات المعاصرة، ومنها المجتمع العُماني، لا يكمن في امتلاك تراث غني فحسب، بل في كيفية إعادة صياغة هذا التراث بلغة الحاضر، ليبقى فاعلًا، لا مجرد مرجع. فالهُوية ليست مادةً محفوظة في الأرشيف الوطني، بل هي عملية مستمرة من التشكّل والتفاوض الثقافي، تأخذ من الماضي عمقه، ومن الحاضر حيويته، ومن المستقبل رؤيته.

ولكي تتنفس الهوية العُمانية روح العصر، لا بد من تجاوز ثنائية “الأصالة أو الحداثة”، إلى تكامل واعٍ بين الاثنين. ويمكن أن يتحقق ذلك عبر أدوات الثقافة الرقمية، والمناهج التعليمية الحديثة، والمنصات الإعلامية التي تُظهر التراث لا “كمقدّس صامت”، بل كحكاية مستمرة تُروى بوسائل متجددة.

إن مشاركة الأجيال الجديدة في إعادة إنتاج الرمز الوطني، لا إلغائه، تمنحهم مساحة للشعور بأنهم ليسوا فقط أبناء وطن، بل مُبدعو ملامحه الآتية.

وكما يقال في علم الاجتماع الثقافي: “الهوية التي لا تتغير، لا تعيش.” لذا فإنّ بقاءنا داخل جدران المتحف الرمزي، دون الانفتاح على نبض اللحظة، لن يصنع لنا مستقبلًا، بل يكرّس (نوستالجيا) تتآكل بمرور الزمن.

إنّ التراث العُماني ليس عبئًا على الكتف، بل جذورًا تمتد في أعماق الأرض، تمدّ الروح بالثبات، والرؤية بالعمق. غير أنّ الخشية كل الخشية، أن نظل ندور في فلك الموروث دون أن نمدّ النظر نحو أفق المستقبل. فليس من الوفاء للماضي أن نُجمّده، ولا من البرّ بالهوية أن نختزلها في رموز لا تتحرّك، أو عادات لا تُراجع.

الهوية الحيّة هي التي تتغيّر دون أن تتنكّر، وتتطوّر دون أن تتنازل عن جوهرها. وإن كان المتحف رمزًا للحفاظ، فإنّ الأوطان لا تُبنى بالحفاظ وحده، بل بالابتكار، وبالقدرة على تحويل الرمز إلى فاعلية، والتراث إلى طاقة خَلقٍ متجددة.

نحن لا نرفض الماضي، بل نمدّ له يد المستقبل. ولا نهرب من الأصالة، بل نسعى إلى أن نجعلها قادرة على النطق بلغة العصر، دون أن تفقد نبرتها الأولى.

وكما قال الشاعر الألماني “غوته”: “ما نرثه عن آبائنا يجب أن نكتسبه من جديد إن أردنا أن نمتلكه فعلاً.”

فلنخرج بالهوية من زوايا العرض إلى فضاء الفعل، ولنحوّل المتحف إلى معبر، لا إلى مأوى. فما الوطن إلا ما نبنيه كل يوم، لا ما نعرضه في الصور.

الهوامش:

(1) بيير نورا، بين الذاكرة والتاريخ: أماكن الذاكرة، مجلة Representations، العدد 26، جامعة كاليفورنيا، 1989.

(2) تشارلز تايلور، التعددية الثقافية وسياسات الاعتراف، دار نشر جامعة برينستون، 1992.

(3) صياغة مستلهمة من أفكار ستيوارت هول وزيجمونت باومان حول الهوية الثقافية المتغيرة في علم الاجتماع المعاصر.

(4) يوهان فولفغانغ غوته، من رسائله الشخصية وأعماله الأدبية، خاصة سنوات تعلم فيلهلم مايستر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights