لأننا لا نعلم الحكاية كاملة
ولاء السنانية
في هذا العالم المزدحم بضجيج العبارات، والتسابق المحموم لإطلاق الأحكام، قلّ من يُنصت للصمت، وقلّ من يتروّى قبل أن يضع نقطة نهاية لحكاية لم تُروَ كاملة. أصبحنا نتعامل مع الآخر بسطحية مقلقة؛ نُفسّر سكونه على أنه برود، ودمعته على أنها ضعف، وحديثه القليل على أنه تجاهل، وكأننا أسياد التفسير ومُلاك الحقيقة.
نحن لا نعلم ما الذي يجعل أحدهم يُخفض رأسه فجأة، أو يُشيح بوجهه عن الحديث، أو ينسحب من مجلسٍ دون سببٍ واضح؟ لا نعلم أن وراء ذلك الانسحاب خيبة ثقيلة، أو وراء ذلك الصمت سؤال لم يجد إجابته بعد. لا نعلم كم من المعارك يخوضها الإنسان بصمت، وهو يبتسم. لا نعلم كم من الندوب تُخفيها ابتسامة مرتبة، وكم من الحزن يتوارى خلف ملامح متماسكة.
في زمنٍ باتت فيه السرعة قيمة، تسرّعنا حتى في شعورنا تجاه الآخرين. نُعلّق دون أن نتحقّق، نتهكّم دون أن نتحسّس أثر كلماتنا، ونغادر دون أن نُلقي نظرة خلفنا. لا نعلم الحكاية، لكننا نمنح أنفسنا حقّ الحكم، ونتجاهل أن الإنسان ليس بما نراه منه، بل بما لا نراه.
هناك من يقف أمامك بكل هدوء، لكنه منهك من الداخل، يحاول فقط ألّا ينهار أمامك. وهناك من يتحدث بنبرة عالية، لا لفرط ثقته، بل ليُخفي رجفة داخله لا تطمئن. وهناك من يُجاهد ليُنجز، لا لأن الطريق ميسّر، بل لأنه يرفض أن يستسلم. هؤلاء لا يحتاجون شفقة، بل تفهّمًا. لا يريدون مدحًا، بل إنصافًا.
الرحمة ليست فعلًا عابرًا، بل وعيٌ عميق بأن الآخر يملك من الألم بقدر ما يملك من الحياة، وأن الاحتواء لا يعني موافقة دائمة، بل فهمًا أعمق للإنسانية فينا. نحن بحاجة إلى مجتمع يُحسن الإصغاء لا الإنكار، يُجيد التماس الأعذار لا إثقال الموازين، يُعانق النوايا لا الأخطاء.
علينا أن نُعيد تعريف القوة؛ فالصلابة لا تكمن في الجفاء، بل في القدرة على احتواء الآخر بلينٍ لا ينكسر. والتفوق لا يكمن في منطقٍ حاد، بل في قلبٍ يعي أن الناس درجات من الألم، ومسافات من الحلم المؤجَّل.
فلنكن نورًا لا يُطفئه الظن، وصوتًا لا يُوجع، ونظرة لا تُدين. لنعبر الحياة بخفّة، بخفّة الوعي أن الأرواح تُكابد، والقلوب تُجاهد، وأننا حين نُمسك عن الحكم، نمنح الحياة فرصة لأن تكون أحنّ.
إننا لا نعلم الحكاية كاملة، ولا يُطلب منّا أن نعلمها، بل أن لا نُسيء الفهم. أن لا نكون حملًا إضافيًّا على من أثقلته الأيام. تلك أعظم القيم، وأصدق أنواع الرحمة.



