السمت العُماني .. أخلاق تصنع هوية وطن

محمد بن سعيد بن مبارك العلوي
الأمم تُعرَف بقيمها قبل أن تُعرَف بعمرانها..
ومن هنا يمكن فهم ما يُعرف بالسمت العُماني، الذي لم يكن مجرد وصفٍ اجتماعي يُقال في المناسبات، ولا عبارة تُستحضر في الخطابات، بل منظومة أخلاقية راسخة شكّلت شخصية الإنسان العُماني عبر التاريخ، وجعلته مثالًا في الاعتدال ونموذجًا في حسن المعاملة.
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات، وتتبدل فيه القيم تحت ضغط المصالح والماديات، تظل بعض المجتمعات قادرة على الحفاظ على روحها الأصيلة رغم تغير الأزمنة وتعاقب الأجيال. ويبرز المجتمع العُماني نموذجًا لذلك؛ مجتمعٌ حافظ على توازنه الأخلاقي، وصان منظومته القيمية، حتى أصبح ما يُعرف بالسمت العُماني علامة مميزة في شخصية الإنسان العُماني وسلوكه.
فالسمت العُماني ليس كلمة تُقال، بل سلوكٌ يومي يتجلى في تفاصيل الحياة؛ في طريقة الحديث، وفي أسلوب التعامل، وفي تلك الروح الهادئة التي تميز الإنسان العُماني أينما كان. وحين تطأ قدم الزائر أرض عُمان، فإن أول ما يلفت انتباهه ليس عمران المدن ولا جمال الطبيعة فحسب، بل ذلك الإنسان البسيط بسمته وابتسامته؛ يحيّي من يلقاه بوجهٍ طلق وكلمةٍ طيبة، وكأن الابتسامة في هذه الأرض لغةٌ أولى يتفاهم بها الناس قبل الكلمات.
إنها ابتسامة صادقة تعكس ثقافة اجتماعية ترى في حسن الخلق قيمةً عليا، وفي التعامل الطيب مع الآخرين واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون سلوكًا اجتماعيًا. ولذلك ظلت القيم الأخلاقية جزءًا أصيلًا من التربية العُمانية؛ تبدأ في الأسرة، وتتعمق في المدرسة، وتترسخ في المجالس والحياة اليومية.
فالهوية لا تُصنع بالشعارات… بل تُصنع بالسلوك اليومي.
ومن هنا ظل السمت العُماني حاضرًا في تفاصيل الحياة الاجتماعية للعُمانيين، يظهر في تعاملاتهم، وفي روح التكافل التي تجمع بينهم. ففي الأفراح تتلاقى القلوب قبل الأيادي، وفي الأتراح تتجلى أسمى صور التعاطف والمواساة، فلا يكاد يحدث أمرٌ في حيٍ أو قرية إلا ويشعر الجميع أنهم جزءٌ منه، وكأن المجتمع أسرة واحدة تجمعها روابط المودة والتراحم.
ولا يمكن الحديث عن السمت العُماني دون التوقف عند الكرم، ذلك الخلق الذي ارتبط تاريخيًا بأبناء هذه الأرض. فالضيف في عُمان لا يُستقبل كغريب، بل كصاحب دار، وتُفتح له الأبواب والقلوب معًا. فالكرم هنا ليس مجرد عادة اجتماعية، بل تعبير صادق عن أصالة المجتمع وطيب معشره.
وإلى جانب الكرم تبرز الشهامة والنخوة؛ صفات تظهر في المواقف الصعبة حين يقف الإنسان إلى جانب أخيه الإنسان دون تردد أو انتظار مقابل. فالعُماني بطبيعته يميل إلى النجدة ومساعدة المحتاج، لأن الوقوف مع الآخرين في الشدائد جزء من منظومة القيم التي تربّى عليها.
كما يتجلى السمت العُماني في الاتزان والحكمة في التعامل مع الأحداث. فالعُماني يميل بطبعه إلى التروي، ويتجنب التسرع في الحكم أو الانفعال في المواقف، وهي خصلة تعكس ثقافة اجتماعية تقدّر الحوار وتحترم الاختلاف، وتؤمن بأن الحكمة والهدوء أقرب طريقٍ لحل الخلافات.
ولعل هذا الاتزان هو ما أسهم في ترسيخ صورة عُمان في أعين العالم كأرضٍ للسلام والتسامح، حيث عُرف أهلها عبر التاريخ بالاعتدال وحسن المعاملة مع مختلف الشعوب والثقافات.
وقد أكد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – في أكثر من مناسبة على أهمية التمسك بالقيم والأخلاق الأصيلة التي عُرف بها المجتمع العُماني، داعيًا أبناء الوطن إلى المحافظة على ما يُعرف بالسمت العُماني بما يحمله من معانٍ رفيعة في حسن الخلق والاعتدال واحترام الآخرين.
إن السمت العُماني ليس مجرد إرثٍ اجتماعي نعتز به، بل هو جزء من هوية هذا الوطن ومسيرته الحضارية، وهو ما يعكس الصورة المشرقة لعُمان في تعاملها الداخلي والخارجي.
وفي زمنٍ تتسارع فيه التغيرات وتتداخل فيه الثقافات، تزداد الحاجة إلى التمسك بهذه القيم الأصيلة؛ فالأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من عمرانٍ واقتصاد، بل بما تحمله من أخلاق تحفظ تماسكها وتمنحها الاستقرار.
وهكذا يبقى السمت العُماني أكثر من مجرد وصفٍ أخلاقي؛ إنه رسالة حضارية تعبّر عن روح هذا الوطن، وتؤكد أن الإنسان حين يتحلى بالأخلاق يصبح سفيرًا لبلده أينما كان.
فالأمم تُعرَف بقيمها قبل أن تُعرَف بعمرانها…
وهذا ما جسّده السمت العُماني عبر التاريخ.



