أمّة الضاد بين الفخر والواجب: كيف نحكم لغتنا عالميًا؟
علي بن مبارك بن خلفان اليعربي
في اليوم العالمي للغة العربية، يعلو صوت الاحتفاء، وتكثر الخطب، وتُرفع الشعارات… ثم تمضي المناسبة، وتعود العربية إلى هامش الاستخدام، كأنها لغة طقوس لا لغة حياة. وهنا مكمن الإشكال: لسنا في أزمة محبة للغة الضاد، بل في أزمة إدارة وحوكمة لها، على المستويين العربي والدولي.
العربية لغة رسمية في الأمم المتحدة، ويتحدث بها أكثر من 400 مليون إنسان، وتحمل إرثًا حضاريًا وفكريًا لا ينازع. ومع ذلك، فهي غائبة نسبيًا عن ميادين البحث العلمي، والتقنية، والإنتاج المعرفي العالمي. والسؤال الصريح الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا: هل قصّرت اللغة؟ أم قصّر أهلها؟
الاحتفاء العاطفي لا يصنع ريادة
نحن بارعون في تمجيد العربية، لكننا أقل براعة في تمكينها. نمدحها في الخطب، ثم نُقصيها في الجامعات، ونحتفي بها في المناسبات، ثم نستبدلها في الإدارة، والإعلان، والبحث العلمي. هذا التناقض أفقد العربية موقعها الطبيعي كلغة إنتاج لا مجرد لغة هوية.
اللغات التي تتصدر عالميًا اليوم لم تفعل ذلك بجمالها وحده، بل بسياسات واضحة: تشريع، تعليم، ترجمة، رقمنة، وتوحيد مصطلحات. أما العربية، فما زالت تعاني من تعدد المرجعيات، وضعف التنسيق بين مجامع اللغة، وغياب مشروع عربي موحد لحوكمتها عالميًا.
التعليم… نقطة الانطلاق أو السقوط
لا يمكن الحديث عن ريادة العربية عالميًا بينما يُقدَّم تعليمها بأساليب تقليدية منفّرة، أو تُحمّل للطلاب كعبء لا كأداة تفكير. اللغة التي لا تُدرَّس بوصفها وسيلة للإبداع والتحليل، ستبقى حبيسة الحفظ والتلقين.
نحتاج إلى ثورة هادئة في تعليم العربية: مناهج حديثة، معلمين مؤهلين، ربط اللغة بالعلوم، والتقنية، والإعلام، لا حصرها في النصوص التراثية وحدها، مع أهميتها.
الحوكمة اللغوية… الغائب الأكبر
إذا أردنا للعربية أن تكون الأولى عالميًا من حيث الرسمية والاعتماد الدولي، فلا بد من الانتقال من الدفاع العاطفي إلى الحوكمة المؤسسية، وذلك عبر:
* توحيد المرجعيات اللغوية العربية في مصطلحات العلوم والتقنية.
* دعم الترجمة العكسية: من العربية إلى لغات العالم، لا العكس فقط.
* فرض استخدام العربية في الإدارات والتعليم العالي مع الانفتاح المتوازن على اللغات الأخرى.
* الاستثمار في المحتوى الرقمي العربي، والذكاء الاصطناعي، ومحركات البحث الداعمة للفصحى.
* تبنّي سياسات عربية مشتركة لتمكين اللغة في المنظمات الدولية والبحث العلمي.
المسؤولية مشتركة
ليست المسؤولية على الحكومات وحدها، ولا على المجامع اللغوية فقط. الإعلام، الجامعات، المعلّم، الكاتب، وصانع المحتوى… جميعهم شركاء. فكل منشور ركيك، وكل تهاون في اللغة، وكل استسهال لاستبدالها دون ضرورة، هو خصم من رصيدها العالمي.
كلمة أخيرة
العربية لا تطلب منا أن نبكي عليها، بل أن نعمل لها. لا تحتاج إلى مديح، بل إلى قرار. ولا إلى يوم عالمي، بل إلى مشروع حضاري طويل النفس. فإن أردناها لغة أولى عالميًا، فعلينا أن نعاملها كلغة سيادة ومعرفة وإدارة، لا مجرد لغة فخر وحنين.
فاللغة التي لا نحكمها… سيحكمها غيرنا، أو تتراجع بصمت.



