الوطنية الإنتقائية : هل أنت وطني؟

هلال بن عبدالله العبري
تُعد الوطنية أحد أبرز المفاهيم التي تشكل جوهر الانتماء والهوية لدى الأفراد في المجتمعات المعاصرة. ويُقصد بالوطنية ذلك الشعور العميق بالانتماء والولاء للوطن، والذي يتجلى في سلوك الأفراد ومواقفهم تجاه دولتهم ومجتمعهم. غير أن هذا المفهوم، رغم بداهته الظاهرة، يستدعي تأملًا وتحليلًا لتمييز الوطنية الحقيقية عن مظاهرها الشكلية.
فمن منظور أكاديمي، تُقاس الوطنية بمستوى التفاعل الإيجابي مع قضايا الوطن واحتياجاته. فالمواطن الوطني هو الذي يشارك بفاعلية في بناء وطنه، من خلال احترام القوانين، والمساهمة في تحقيق الصالح العام، والعمل بإخلاص في مجاله المهني والاجتماعي. كما تُعد مكافحة الفساد، والدفاع عن العدالة، والسعي إلى الإصلاح من أبرز صور الوطنية الفاعلة.
وتجدر الإشارة إلى أن الوطنية تستلزم وعيًا نقديًا يهدف إلى تقويم المسار من داخل المنظومة الوطنية، دون المساس باستقرار و أمن الــوطن أو التشكيك في قيمته كوطن أو كدولة. وفي هذا السياق، تصبح الوطنية مسؤولية أخلاقية ومدنية تتجاوز الانتماء الشعوري إلى التزام عملي ومستدام يبدأ من الفرد وتنتهي عند الجماعة.
الوطنية ليست امتيازاً نخبوياً
في زمن تتعالى فيه الأصوات مطالبة بالمواطنة الصالحة والانتماء للوطن، علينا أن نتوقف قليلاً لنسأل: من يملك حق الحديث عن الوطنية؟
هل الذي يعيش في رغدٍ ووفرة ؟ ويمتلك كل مقومات الراحة و ربما شيئا ً من السلطة ! .
كيف لمَن تُفتح له الأبواب وتُذلل له الصعوبات أن يحكم على وطنية مواطن بسيط يصحو كل يوم باكـراً باحثاً عن لقمة العيش للحفاظ على كرامته وكرامة أسرته؟ يحفر الأرض أو يجوب طرقات الوطن شرقها وغربها ، يستظل الشجر هرباً من شمسا حارقة و يحتمي تحت سقف سيارته من المطر . يأبى بذلك أن يفارق أرض وطن أحبه و تربى فيه .
الوطنية ليست شعاراً يُرفع، بل هي عقد اجتماعي متين، يقوم على احترام الحقوق و الواجبات. ومن لا يعيش معاناة الناس لا يحق له أن يزايد على وطنيتهم. فالمواطن الذي يصمد في وجه الأزمات، ويستمر في العمل والعطاء رغم قلة الموارد، هو الوطني الحقيقي.
ففي خضم التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، تبرز مفاهيم متعددة للوطنية، يختلط فيها الفهم أحيانًا بين الخضوع المطلق للواقع والتنازل عن الحقوق، وبين الإخلاص للوطن والسعي إلى رقيه وازدهاره. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف الوطنية بصورة تعكس جوهرها الحقيقي.
فالوطنية لا تعني مطلقًا عدم المطالبة بالإصلاح الذي يخدم الوطن أو التنازل عن الحقوق المشروعة، بل تتمثل في الإيمان العميق بأن الوطن لا ينهض إلا بتحقيق العدالة والمساواة بين جميع أبنائه، دون تمييز أو تفرقة. الوطنية هي أن يشعر المواطن – أياً كانت طبقته أو انتماؤه الاجتماعي – بأنه متساوٍ في الحقوق والفرص، سواء في التعليم أو الرعاية الصحية أو التوظيف أو المشاركة السياسية. من هنا ينبع شعورا ذاتيا من داخل المواطن بضرورة الحفاظ على هذا الوطن و مقدراته ومكتسباته ، أرضه وجوه و ماؤه ، وطنية تحمل حب عميق يختلف عن كل حب و ولاء ليس له حدود .
فالوطنية الحقيقية هي شراكة متبادلة بين وطن و مواطن ، وطن تكون العدالة هي الركيزة الأساسية في كافة مؤسساته ، و تُصان فيه كرامة الإنسان ، وتُحترم حقوقه، ويُمنح كل فرد فيه الفرصة للمساهمة في بناء مجتمعه. و مــواطن ينتمي إلى كل ذرة رمل من أرض ذلك الوطن يعمل فيه بإخلاص و يدافع عنه بأغلى ما يملك ، تتخلد بداخله وطنية تمتزج فيها الأمانة والتضحية والإخلاص و الحب والولاء .



