قصص وروايات

وصيفة القمر ..

مريم شملان

الليالي المُقمرة تأتي إلينا وترحل، وأيضا الليالي الحالكة السواد تأتي وترحل، والنجوم المُضيئة تُحدّق إلى سكان الأرض من السماء بأشهرٍ وليالٍ مُعينة وتختفي،
أنها المؤنسة للذين ينتظرونها وبالذات” العاشقة للقمر وللسماء وللنجوم ” والتي كانت بمثابة الحارس الذي يَحمي ويحمل ويقوم بواجب الرعاية الكاملة في ذلك المنزل المُنزوي في بقعة معزولة عن باقي الجيران ومنازلهم القليلة البعيدة، دائما هي في إنتظار الشهور القمرية لِتحدق إلى السماء ولتراعي النجوم وهي التي كانت على عِلم بطوالعها  ومواقيتها وكذلك أسماءها والتي كانت تنتظر قدوم الشهور القمرية وليالي القمرية ، وتكون مُطّلعة على رؤية الهلال، وتكون أول من ينتظر ذلك في كل أول شهر قمري.

وقت خروجها من تلك “البقعة الخضراء المزرعة الصغيرة” والتي كانت بالنسبة لها الخلم الذي تحقق والحياة والأمل والفرح والسعادة بوجود تلك البقعة الخضراء، والتي كانت وقت العصر أو بداية الصباح يأتي إليها من أحبوها وأحبتهم يأخذون ما يشائون وما يجدون من الفواكة وما كانت تجود به تلك المزرعة الصغيرة، ، وكان بِمدخل تلك،”المزرعة” من الداخل شُجيرات النرجس والفُل الناصع شديد البياض، والتي كانت ترعاهن لتضع كل ليلة بالفراش و”المَخَادعِ” بَتلات النرجس البيضاء والفُل ، ليكون عطرٍ تحملهُ الرياح لِيعم أريجه المنزل والقريب منه.

وتجدها قد عقدت سيقان النرجس وأعواد الفُل بأطراف دِثارها أو ما تضعة عليها للستر والزينة ، وفي وكل صباحٍ باكر تجدها مُتجهة إلى الحُلم الذي وضعت فيه الأماني الكبيرة والفرح والسعادة، وفيه تلتقي بمن تُحب من الناس والجيران وصديقات كن لها الدواء من هموم الأوقات الصعبة، تجدها بكل مكان وبكل شيء تضع يدها فيه إلا يكون خيراً وفير ، لا تتوانى عن خدمة الجميع دون ذِكر ما قامت به.

وفي الصيف والذي كان لهُ الحُب والعشق المنفرد، لتدندن وتَحكي قصص البحر والبحارة بالرغم إنها بدوية ليست لها علاقة بالبحر، ولكن قد عاشت رَدحَاً من الزمن وقضت سنوات الطفولة والصِبا في مكان به التقارب والحُب والتلاحم الأسري، لتتعلم ممن أحبوها وأغدقوا عليها العطف والمحبة والحُب لناس لم يكن يوماً لديها من يُحبها أكثر منهم، وكذلك في ذلك المكان الذي نشأة به كانت مُلتصقه بهم كَسبت معرفة وتعّلمْ لطوالع النجوم والمواسم، كانت ” الوصيفة للقمر” وحبيبة النجوم، تنثر العطر مثلما كان حُب الحياة وفرحة العُمر بوجود الناس حولها وهذا أجمل ما يكون بحياتها، وإستقبال الأهلة للأشهر القمرية لهُ طابع خاص في قلبها وبالذات شهر الفضيلة والصوم والزُهد والتراحم بأيامه وليالية، فكيف إن كانت هي التي بها شوق الإنتظار وهي التي لا تهداً إلا برؤية الهلال وهو يَطل عليها من السماء قبل بُرهه من موعد ذهاب قرص الشمس وقدوم عتمة الليل، تجدها قد أخبرت الجميع وتقف هي وصغارها وصغار الحي والنساء بذلك المكان المرتفع والشابات والصَّبيْة في ترقبْ لهلال شهر رمضان،والذي تتسارع أيامة ولياليه القليلة لتجد التقارب والتآلف والمحبة قد نَسجت خيوط التعاون الذي يجعل القلوب.

تستهل وتستبشر بقدوم هذا الشهر الذي يغير قانون حياة ونظامٍ يومي ويُستبدل بقانون رباني يتعايش عليه البشر دون طلب أو إلحاح، فالطاعة ما يُطاع فيها أمر الله ورسوله ، ولا يكون في تلك الليالي الرمضانية الجميلة المؤنسة للروح إلا بسماع (المْسحّر” والطبلة التي كان صداها يصل إلى المهاجع وإيقاظ النائمين لوجبة “السحور” ، والذي كان صوته يأتي من جهة البحر لِيسمعه أهل البر، لتكون “وصيفة القمر” مجاهدة في تلك العتمة بإتمام وإكمال العمل في إيقاظ من تناثرت منازلهم والخوف من التقصير في حق الجيرة، يَعلوُ الصوت في عُمق الليل ويتردد صدى أصوات الصغار والكبار في تناوب بإيقاظ من يُحبون لبعضهم البعض لحُب الخير والأجر، لتستيقظ تلك الخلية والتي تكون في دقائق قد أكملت عملها لبداية فجر جديد ويوم جديد لإكمال أيام وليالي الضيف التي تنتهي بتمامه وكماله والتي كانت” وصيفة القمر” قد ودعت أيامه ولياليه وفرِحت لنهايته كما فرِحت بقدومه.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights