الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

حين لا يليق التكريم بحجم الإنجاز

محمد بن سعيد العلوي

حين يصبح التفوق حدثًا عابرًا لا يعكس قيمة الجهد المبذول، فإننا لا نخسر لحظة تكريم فحسب… بل نخسر معنى العدالة التربوية ذاته.

إلى المعنيين في وزارة التربية والتعليم،
إلى القائمين على مكاتب الإشراف التربوي،
إلى كل من أوكلت إليه أمانة صناعة المستقبل عبر بوابة المدرسة…

أكتب إليكم هذه الكلمات وقلمي يحمل عتبًا صادقًا، لا تحركه رغبة في النقد بقدر ما يدفعه حرصٌ عميق على قيمةٍ تربويةٍ أصيلة اسمها تكريم التفوق، وعلى شعورٍ نبيلٍ يسكن قلوب أبنائنا وبناتنا، وهم يقطفون ثمرة سهر الليالي، وصبر الأيام، وتعب الفصول الدراسية.

لقد أدركت حكومتنا الرشيدة مشكورة أن التفوق لا ينبغي أن يمر مرور الكرام، وأن الاحتفاء بالمجيدين والمجيدات ليس ترفًا شكليًا، بل ضرورة تربوية ونفسية. ولهذا خُصصت مبالغ مالية لهذه المناسبات، لتكون رسالة واضحة مفادها أن هذا الوطن يرى أبناءه وبناته المجتهدين، ويقدّر سعيهم، ويحتفي بإنجازهم كما يليق به.

فالتكريم، في جوهره، ليس منصةً وشهادة فحسب… بل هو موقف.
موقف يقول للمجيدين والمجيدات: لقد كنتم على قدر المسؤولية، ونحن على قدر التقدير.
ويقول لغيرهم: هنا تُصنع القيمة… وهنا يُحتفى بمن يستحق.

غير أن ما يؤلم بكل أسف أن هذه الغاية النبيلة لم تتحقق بالصورة المأمولة في بعض المدارس، حيث اختُزل التكريم في صورٍ باهتة، لا تعكس حجم الإنجاز، ولا توازي الجهد المبذول. فقد اقتصر الأمر في بعض الحالات على احتفالات متواضعة في ساحات المدارس، بهدايا رمزية محدودة، وتنظيم لا يرقى إلى مستوى المناسبة ولا إلى مستوى الدعم المخصص لها.

ولعل الأكثر إيلامًا، أن بعض الأمهات والآباء حُرموا من حضور لحظة تكريم أبنائهم وبناتهم؛ تلك اللحظة التي انتظرها الوالدان كما انتظرها الأبناء، وكانوا شركاء فيها بالدعاء، والدعم، والاحتواء. فكيف يكتمل مشهد التكريم، وأحد أهم أركانه غائب؟

ثم تأتي المفارقة التي يصعب تبريرها، حين طُلب من بعض المجيدين والمجيدات دفع مبلغ مالي مقابل الحصول على صورة توثق لحظة تكريمهم.
وهنا يتوقف السؤال… لا استنكارًا فحسب، بل دهشةً أيضًا:
كيف يمكن أن تتحول لحظة التكريم إلى عبء؟
وكيف يُطلب من المجيد أن يدفع ثمن ذكرى كان يفترض أن تُهدى إليه بكل فخر؟

إن هذه الممارسات وإن كانت فردية تترك أثرًا عميقًا، ليس الأثر في نفس الطالب وحده، بل في مفهوم التكريم ذاته، فالتفوق، حين لا يُحتفى به كما ينبغي، يفقد جزءًا من معناه، ويخسر جزءًا من أثره.

ولكي نكون منصفين، فإن الصورة لم تكن كذلك في كل المدارس. فقد شهدنا نماذج مشرّفة، أدركت قيمة المناسبة، فأقامت حفلات تكريم منظمة، في بيئة تليق بالمجيدين والمجيدات، بحضور أولياء الأمور، وبهدايا تعبّر عن التقدير الحقيقي، وتنظيم يعكس وعيًا برسالة المؤسسة التعليمية. وهناك، كان التكريم كما يجب أن يكون: ذاكرة جميلة، وحافزًا متجددًا، ورسالة وفاء صادقة.

وهنا يظهر الفرق بوضوح…
بين تكريمٍ يصنع الدافعية، وتكريمٍ يؤدي الواجب.
بين إدارةٍ تؤمن برسالتها، وأخرى تكتفي بأدائها.

وليس القصد من هذه الكلمات توجيه لومٍ بقدر ما هو توجيه نظر. فالمسؤولية عظيمة، والرسالة أمانة، والتفوق أمانة أخرى لا تقل شأنًا.

إننا نأمل من الجهات المعنية أن تؤكد على أهمية أن يكون التكريم على مستوى الرؤية التي خُصصت من أجلها الإمكانات، وأن يُمنح المجيدون والمجيدات ما يستحقونه من تقديرٍ معنوي يعكس قيمة ما حققوه، ويعزز في نفوسهم معنى الانتماء والفخر.

فأبناؤنا وبناتنا لا ينتظرون مظاهر بقدر ما ينتظرون معنى…
معنى أن جهدهم كان مرئيًا، وأن تفوقهم كان موضع تقدير، وأن لحظة نجاحهم لم تمر كغيرها من اللحظات.

وفي الختام…
يبقى تكريم التفوق أكثر من مجرد مناسبة في سجل المدرسة؛ إنه استثمار في الإنسان، وبناء في الوعي، وترسيخ لقيمةٍ عظيمة مفادها أن الاجتهاد لا يضيع، وأن التميز لا يُنسى.

فاحفظوا للتفوق مكانته…
وأعطوا للإنجاز حقه…
فإن الأمم التي تُكرم مجيديها ومجيداتها… هي الأمم التي تصنع مستقبلها بثقة.

والله من وراء القصد.

غفر الله لنا ولكم، ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights