الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

بين إنهاك موسكو وتراجع كييف: التفاوض يخرج من الكواليس

الباحثة: فاطمة هارون العمارات

منذ بداية النزاع الروسي الأوكراني في فبراير 2022، توسع الصراع بسرعة خارج حدوده الجغرافية المباشرة، ليصبح أزمة دولية معقدة، تتعلق أساسيات الصراع بتداخل معقد بين اعتبارات الأمن القومي لروسيا، وطموحات الغرب في أوكرانيا، وتوازن القوى على المستوى العالمي، مع التركيز على دور الولايات المتحدة، رغم التصعيد المستمر والأحاديث القاسية من كلا الجانبين، تدفع المؤشرات الميدانية المتغيرة والضغوط السياسية والاستراتيجية والاقتصادية المتزايدة نحو التفكير في خيارات تفاوض، على الرغم من عدم الإعلان عنها بشكل رسمي بعد.

لا يمكن فهم الحديث عن المفاوضات في هذه المرحلة كتغيير في مواقف الأطراف، بل هو رد فعل واقعي تجاه موقف عسكري لم يحقق نتائج نهائية. تجد موسكو، التي توقعت في البداية انتصارًا سريعًا، نفسها الآن أمام جبهة واسعة ومعقدة، مما يكلفها الكثير من الموارد السياسية والعسكرية والاقتصادية، من ناحية أخرى، تواجه أوكرانيا واقعًا صعبًا يتمثل في الإخفاق المعنوي والتقني، مع تراجع المساعدات الغربية، وعدم استقرار الموقف الأوروبي، وارتفاع الأصوات المحلية التي تشكك في جدوى الاستمرار في الحرب بلا نهاية.

وتظل الولايات المتحدة الطرف الأكثر تأثيرًا في توجيه مسار الحرب، من خلال دعمها العسكري والاستخباراتي المتواصل لكييف، وممارستها الضغط الدبلوماسي على الحلفاء الأوروبيين، غير أن واشنطن تتعامل مع الملف بمنطق استراتيجي بعيد المدى، لا بدافع تعاطف مبدئي مع القضية الأوكرانية، فدعم أوكرانيا لا يُعد غاية في حد ذاته، بل وسيلة لاحتواء روسيا واستنزافها، ضمن معادلة محسوبة لا تسمح بانهيار كامل للكرملين، لكنها أيضًا لا تتيح له النهوض بسهولة.

في هذا الإطار، يبدو أن الموقف الأمريكي يشهد تغييرًا مدروسًا، ينتقل من فكرة “الهزيمة الكاملة لروسيا” إلى استراتيجية أكثر واقعية، تعتمد على “إدارة الصراع بدلاً من إنهائه”. ومع اقتراب الانتخابات في الولايات المتحدة وزيادة الأصوات الداخلية التي تعارض مزيدًا من الإنفاق الخارجي، بدأت واشنطن تدريجيًا في البحث عن حل سياسي مقبول، دون أن تبدو متراجعة أو متنازلة، لهذا، يجب أن نفهم أي حديث حول المفاوضات المحتملة في ضوء المزاج الأمريكي، الذي أصبح أكثر قبولًا لأفكار يمكن أن تُجمّد النزاع أو تُحقق تسويًة مؤقتة، تمنح أوكرانيا الحد الأدنى من السيادة، مع إبقاء روسيا ضمن حدود الاستنزاف الاستراتيجي.

ما يصعّب الوضع هو أن الأطراف المعنية بالنزاع لم تصل بعد إلى قناعة بأن التفاوض هو الخيار الوحيد المتاح. تبقى روسيا تراهن على الوقت وضغوط الاقتصاد الأوروبي، بينما تأمل أوكرانيا في استعادة الدعم الغربي الذي قد يؤثر على وضعها العسكري، لكن الحقيقة هي أن زخم المعارك بدأ يتباطأ من الداخل، ولا يحمل ديناميكية النصر الواضحة لأي من الطرفين، ولذلك، فإن بدء المفاوضات يأتي ليس كاستسلام، بل كضرورة ناتجة عن حالة العجز المشتركة.

في وسط هذه الديناميكية المعقدة، تلعب الولايات المتحدة دورًا رئيسيًا غير مرئي في خلق لحظة التفاوض. هي التي تحدد متى وكيف وأين يمكن فتح قنوات التواصل غير المباشرة، وتدير الرسائل غير المعلنة عبر وسطاء إقليميين أو دوليين، الذين يمتلكون خيوط التوازن الدقيق: دعم كييف دون إلغاء إمكانية الحوار مع موسكو. وهذا التوازن، رغم كونه يُظهر ذكاءً استراتيجيًا، يدل على أن لحظة التفاوض تقترب، لكنها تعتمد أولًا وأخيرًا على قرار أمريكي يسبق قرار كييف.

ربما لا نكون قريبين من سلام سريع، لكن نحن بالتأكيد نشهد مرحلة سياسية جديدة تتشكل بهدوء خلف الكواليس، بعيدًا عن صخب الإعلام ومناطق القتال. ما يحدث حاليًا هو مجرد عملية تدريجية للانتقال من صراع مفتوح إلى صراع يمكن التحكم فيه، تمهيدًا لتحويله إلى ملف تفاوضي طويل الأمد. وفي هذه اللحظة، من المهم أن نفهم دور أمريكا ليس كطرف خارجي، بل كعنصر رئيسي في معادلة الحرب والسلام معًا.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights