لا تقول الصدق .. دائمًا

محمد علي سيف الجابري
لطالما حُرِّم الكذب في الديانات السماوية، وعلى رأسها الدين الإسلامي، تحريمًا شديدًا، واعتُبر من كبائر الذنوب لما يحمله من آثار سلبية على الفرد والمجتمع. غير أن الكذب، ورغم وضوح حكمه الديني والأخلاقي، ظل سلوكًا إنسانيًا معقّدًا، تتداخل فيه الدوافع النفسية والاجتماعية، وتتعدد صوره واستخداماته، ما يستدعي تفكيكه وفهمه لا تبريره أو الترويج له.
لطالما قُدِّمت الحقيقة بوصفها القيمة الأخلاقية الأعلى، إلا أن الواقع الاجتماعي يكشف أن قول الصدق في كل الأحوال، وبكل تفاصيله، قد لا يكون دائمًا الخيار الأكثر حكمة. فبين الصدق المطلق والكذب الصريح مساحة رمادية، تتحرك فيها المجاملة، والتلطيف، والذكاء العاطفي.
في أحد النقاشات مع مختص في علم النفس والاتصال الجماهيري، طُرحت فكرة لافتة حول كيفية صناعة الكذب وتسويقه للجمهور. إذ أوضح أن تقديم المعلومة الكاذبة في قالب “دراسة” أو “بحث متداول” يمنحها قوة إقناعية عالية، حيث يميل ما يقارب 90% من الجمهور إلى تصديقها دون تمحيص، بينما لا تتجاوز نسبة المشككين 10%. ومن بين هؤلاء، لا يبحث فعليًا في صحتها سوى نصفهم، وغالبًا ما ينتهي الباحثون القلائل إلى الشك في قدراتهم على البحث لا في المعلومة ذاتها، ما يمنح الكذبة شرعية زائفة ويكسب مروّجها ما يقارب 95% من القبول أو التصديق.
هذا النوع من الكذب يُعد من أخطر أشكال التضليل المعاصر، خاصة في عصر الإعلام الرقمي، حيث تتحول عبارات مثل “يقال” أو “أظهرت دراسة” إلى أدوات جاهزة لصناعة الوهم وتوجيه الرأي العام دون سند علمي حقيقي.
وفي المقابل، لا يقتصر الكذب على هذا الشكل المنهجي المنظّم، بل يتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية بصورة اعتيادية، أحيانًا بدوافع إنسانية واجتماعية. فمثلًا، قد يتحدث شخص عن آخر بسوء في مجلس ما، وعندما نلتقي بالشخص الآخر ويسألنا: “ماذا قال عني فلان؟” نختار أن نقول: “لم يذكرك إلا بكل خير، وتحدث عنك باحترام، وأشاد بصفاتك”، رغم أن الحقيقة كانت خلاف ذلك. ووفق المفهوم الكلاسيكي، يُعد هذا كذبًا صريحًا، لكنه في المفهوم الأخلاقي والاجتماعي محاولة واعية لاحتواء الخلاف ومنع انتقال الإساءة وتحجيم دائرة النزاع، لا لتزوير الحقيقة أو الإضرار بالآخرين.
وينسحب الأمر ذاته على مفهوم المجاملة الاجتماعية، حيث نقول في كثير من الأحيان: “كنت أفكر فيك كثيرًا”، أو “لطالما رغبت في التواصل معك”، أو “كنت أنوي الاتصال بك منذ فترة”، بينما الواقع قد لا يكون كذلك تمامًا. هذه العبارات، وإن كانت لا تعبّر عن حقيقة دقيقة، تُقال بقصد بناء علاقة إيجابية، أو إعادة وصل ما انقطع، أو كسر الحواجز النفسية بين الناس. فهي كذب من حيث الصياغة الحرفية، لكنها ليست كذبًا من حيث المقصد الاجتماعي.
ولا يقتصر الأمر على العلاقات الاجتماعية فحسب، بل يمتد أحيانًا إلى القضايا المرتبطة بأمن الأوطان واستقرارها. ففي حالات الحروب أو التهديدات الأمنية، قد يصبح تضليل العدو أو تزويده بمعلومات غير دقيقة وسيلة لحماية الوطن والدفاع عن أمنه القومي. ووفق المفهوم الكلاسيكي، يُعد ذلك كذبًا، إلا أن السياق هنا يغيّر طبيعته الأخلاقية ليصبح واجبًا وطنيًا تفرضه مصلحة حماية الوطن والحفاظ على أمن المجتمع واستقراره.
هنا تتداخل المجاملة مع الكذب، والذكاء العاطفي مع المنافقة، وتظهر المنطقة الرمادية التي تجعل الحكم على الكذب أكثر تعقيدًا. فليس كل كذب يُقصد به التضليل، كما أن ليس كل صدق يُنتج أثرًا إيجابيًا. فقول الحقيقة القاسية في بعض المواقف قد يهدم علاقات، بينما التلطيف أو إخفاء بعض التفاصيل قد يُصلح ذات البين ويحافظ على النسيج الاجتماعي.
ولا خلاف على أن الكذب القائم على الافتراء، أو تشويه السمعة، أو صناعة وعي زائف، هو فعل مدان أخلاقيًا ودينيًا ولا يمكن تبريره تحت أي ظرف. لكن في المقابل، يبقى ما يُعرف بالكذب الأبيض أو المجاملة الاجتماعية سلوكًا إنسانيًا يُمارَس بحذر، عندما يكون هدفه الإصلاح لا الإفساد، والبناء لا الهدم.
الخلاصة أن الكذب ليس مفهومًا واحدًا يُحكم عليه بحكم مطلق، بل سلوك إنساني متعدد الأبعاد. غير أن خطورته الحقيقية تكمن في تحوّله إلى أداة واعية للتضليل وصناعة القناعات الزائفة. أما في حدوده الضيقة المرتبطة بإصلاح العلاقات وتنظيم الحياة الاجتماعية، أو حماية أمن الأوطان واستقرارها، فيبقى موضوعًا جدليًا يحتاج إلى وعي أخلاقي عميق، لا إلى تبرير مطلق ولا إلى إدانة سطحية.



