صحة المعلم النفسية.. أولوية لتحقيق جودة التعليم
ريهام الحضرمي
يُعد اليوم العالمي للصحة النفسية الذي يحتفل به في العاشر من أكتوبر من كل عام مناسبة سنوية هادفة لتذكير المجتمعات بأهمية الصحة النفسية في حياة الإنسان ودورها المحوري في تحقيق التنمية المستدامة، من خلال إلقاء الضوء على الجانب النفسي؛ حيث إن الصحة لا تقتصر على خلو الجسم من الأمراض والعلل بل تشمل أيضا صحة النفس والعقل والروح وسلامتها، وهو ما أكدته منظمة الصحة العالمية في ديباجة دستورها واصفة الصحة على أنها “حالة من اكتمال السلامة بدنيا وعقليا واجتماعيا، لا مجرد انعدام المرض أو العجز”.
يحمل الاحتفال بيوم الصحة النفسية العالمي شعارا مختلفا في كل عام إلا أن جميعها تصب في قالب واحد وهو التأكيد على الإنسان كمحرك أساسي للتنمية وأن الحفاظ على صحته يُعد استثمارا ناجحا يخدم مختلف مجالات التنمية. وفي هذا الإطار يجب تسليط الضوء على فئة مهمة في المجتمع وهي فئة المعلمين والمعلمات، الذين يعدون الركيزة الأساسية لصناعة العقول وتنشئة الأجيال.
الصحة النفسية في بيئة التعليم
مهنة التعليم واحدة من أكثر المهن التي تستنزف العاملين بها نفسيا وذهنيا وجسديا؛ إذ !يتحمل المعلم مسؤوليات كبيرة تتجاوز تقديم المعرفة لتشمل التوجيه والتربية والتعامل مع فروق فردية بين الطلبة، وعلى الرغم من جهود وزارة التربية والتعليم في تطوير العملية التعليمية وتحسين بيئة العمل فإنها لا زالت لم تحتضن الاحتياجات النفسية للمعلم خصوصا مع التطورات المتسارعة في مختلف المجالات وازدياد متطلبات العمل؛ حيث أصبح المعلم يواجه تحديات جديدة تستنزف طاقته النفسية والجسدية؛ مما ينعكس سلبا على جودة الخدمات التعليمية المقدمة للطالب؛ إذ إن دسامة المهام الموكلة له بجانب دوره الرئيسي ترهق كاهله وتشتت طاقته.
تحديات معلمي الحلقة الأولى
تتميز الحلقة الأولى بخصوصيتها؛ فهي المرحلة التي تُبنى فيها أولى لبنات التعلم وترسم فيها خارطة السلوك والانضباط، ويتطلب العمل فيها قدرا عاليا من الصبر والهدوء والمرونة؛ لأن الطالب في هذه المرحلة يتعلم من خلال اللعب والتفاعل المباشر؛ مما يتطلب من المعلمة تفرغًا ذهنيًا وعاطفيًا كبيرًا.
لكن الواقع العملي قاس من حيث النصاب العالي من الحصص الذي يتجاوز طاقتهن اليومية مع تعدد المهام اليومية التي تشمل إعداد الدروس، وتصميم الأنشطة التعليمية، ومتابعة الطلبة، ورفع التقارير، إلى جانب الأعمال الإدارية التي تُثقل كاهلهن وتؤثر في توازنهن النفسي بالإضافة إلى انعكاساته السلبية على مسؤولياتهن الأسرية والاجتماعية كون عدد ساعات العمل لا تستوعب كمية العمل الملقى على كاهلهن؛ مما يضطرهن لإكمال المهام بعد العمل في الوقت الذي من المفترض ان يكون للراحة والأسرة.
الصحة النفسية أساس العطاء
لا يمكن للمعلم الإبداع في عمله ونقل طاقته الإيجابية لطلبته إلا إذا كان المعلم نفسه سليما نفسيا وجسديا؛ لذلك لا يمكن الفصل في الحديث بين جودة التعليم وصحة المعلم؛ إذ إن توفير بيئة عمل محفزة وصحية للمعلمين لا يتوقف عند الجانب المادي والجوانب المرتبطة بطريقة مباشرة بالعملية التعليمية بل تمتد لتشمل كذلك برامج الدعم النفسي والاستشارات المهنية التي تساعدهم وتعلمهم كيفية التعامل مع ضغوطات المهنة بطرق فعالة.
رسالة للمعلمين في يوم الصحة النفسية العالمي
أخص هنا بتوجيه رسالتي تقديرا وامتنانا إلى كل معلم ومعلمة في سلطنة عمان لجهودهم العظيمة رغم الضغوط والتحديات التي يواجهونها. كما أدعو أن تكون هذه المناسبة فرصة للتفكر في صحتهم النفسية على كونها أولوية وطنية لا تقل أهمية عن تطوير المناهج والبنية التحتية للتعليم، فدعم المعلم نفسيا هو استثمار في عقول الأجيال القادمة، فلا يمكن للمعلم المنهك ان يقدم لطلابه ذات الكفاءة التي يقدمها المعلم المطمئن المتوازن.



