الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

العقل بين الحِجر والتيه​

د. طالب بن خليفة الهطالي
ليس العقل في التصور القرآني مجرد أداة للفهم أو قدرة على التحليل، بل قيمةٌ ضابطة تنظم السلوك قبل أن تثمر المعرفة؛ ومن هنا جاءت دلالة الحِجر في قوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾، فالحِجر ليس ذكاءً خاما، ولا حدّة فطنةٍ منفلتة، بل عقلٌ يحجز صاحبه عما لا يليق، ويمنعه من التهافت وراء الشهوة أو الوهم أو التبرير السهل، وقد قرر ابن تيمية هذا المعنى حين بين أن العقل لا يمدح بكثرة إدراكه، بل بقدر ما يحجز صاحبه عن الهوى، وأن معرفة الحق لا تستلزم الانقياد له ما لم تضبط الإرادة.

وبهذا المعنى يتحرر مفهوم العقل من اختزاله في الحفظ أو الجدل، ويعود إلى موضعه الحقيقي ميزانا داخليا يضبط القول والفعل، ويقيم العلاقة بين الحرية والمسؤولية، وهو ما عبّر عنه الشاطبي حين قرر أن مقصود العقل ليس مجرد الفهم، بل توجيه الفهم نحو العمل، وأن اختلال المقاصد يجعل العقل بارعا في الاستدلال، عاجزا عن الترجيح، ومن هنا كان التكريم الإلهي للإنسان مرتبطا بالعقل، لا لأنه يعرف أكثر، بل لأنه يميز ويختار ويُحاسَب على اختياره.

وبهذا الفهم يغدو الحِجر أساس الرشد، لا قيدا على الحرية؛ فالرشد لا يولد من كثرة الخيارات، بل من القدرة على وزنها، ومن دون هذا الميزان يظل العقل حاضرا في صورته الذهنية، غائبا في وظيفته الأخلاقية، وهنا يبدأ الانزلاق من الرشد إلى التيه لأنه في التصور القرآني لا ينشأ عن غياب المعرفة، بل عن تعطل وظيفة العقل في الضبط والاختيار؛ إذ لم يربط القرآن الضلال بالجهل المجرد، وإنما بانفصام الإرادة عمّا عُلم، وهنا يتجلى هذا المعنى بوضوح في قوله تعالى عن بني إسرائيل: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ إذ لم يكن التيه هنا لعدم معرفة الطريق، بل لرفض الانقياد لما تبيّن لهم، فصار العلم موجودا والفعل غائبا، لهذا قرّر المفسرون أن التيه في هذا الموضع عقوبة قلبية قبل أن يكون عثرة مكانية؛ ولأن المعرفة حين لا تثمر التزاما تتحول من هداية إلى عبء.

بين الراغب الأصفهاني أن التيه هو الذهاب على غير هدى مع وجود ما يدل على الصواب، وهو تعريف ينقل التيه من كونه نقصا معرفيا إلى كونه خللا في الميزان الداخلي الذي يوجه المعرفة نحو الفعل. وهذا المعنى يلتقي مع ما قرره أبو حامد الغزالي حين فرّق بين العلم الذي يهدي والعلم الذي يبرّر، وبيّن أن المعرفة إذا لم تضبطها غاية أخلاقية صارت حجة على صاحبها لا له؛ إذ لا قيمة لإدراك لا يثمر التزاما، ولا لذكاء لا ينتهي إلى اختيار، هنا يتضح أن التيه لا يصيب العقول الفارغة، بل العقول العامرة بالمعرفة حين تفقد قدرتها على الحسم؛ تعرف ولا تختار، وتفهم ولا تلتزم، وتملك الأدلة لكنها تعجز عن الوقوف عند مقتضاها.

وحين يُفهم التيه على هذا النحو، يتبيّن أن الخلل لا يكمن في تراكم المعرفة ذاتها، بل في تعطل معيار الترجيح داخل العقل؛ وقد تتكاثر الأدلة وتتعدد التأويلات، فيغدو العقل قادرا على تسويغ كل موقف، عاجزا عن الالتزام بأيٍّ منها. وقد نبه ابن القيم إلى أن الهوى لا يعدم الإنسان العلم، وإنما يُفسد عليه قصده، فيجعل العقل تابعا للرغبة لا حاكما عليها، وهو ما يلتقي مع تنبيه ابن تيمية إلى أن معرفة الحق لا تستلزم الانقياد له، إذ قد يحول الهوى أو طلب السلامة دون التزام ما تبيّن، وعلى هذا الأساس قرّر الشاطبي أن اختلال المقاصد يجعل العقل بارعا في تحصيل الوسائل، عاجزا عن إدراك الغايات، فيتحول من ميزان يضبط إلى أداةٍ تبرّر.

وحين يستقر التيه بوصفه خللا في الميزان لا نقصا في المعرفة، يصبح العقل واقعا في منطقة صراع دائمة بين ما يعرفه وما يريده، وبين ما يقتضيه الرشد وما تمليه اللحظة؛ هنا لا يكون العقل غائبا، بل حاضرا بكامل طاقته، غير أن حضوره يكون منقسما على ذاته، يدرك الصواب من جهة ويؤجله من جهة أخرى، فينشأ توتر داخلي لا يحسم بل يُدار بالتبرير، هنا عبّر مالك بن نبي عن هذا الحال حين قرّر أن أزمة الوعي لا تكمن في نقص الأفكار، بل في العجز عن تحويل المعرفة إلى فعل، فتتراكم الأسباب وتغيب الإرادة، أما وعلى المستوى الأدبي، فقد صوّر فيودور دوستويفسكي هذا الانقسام في شخصيات تدرك الخير بوضوح، لكنها تبرر الشر بذكاء، فتعيش صراعا داخليا لا يحسم. وبهذا المعنى يعيش العقل المعاصر بين الحِجر والتيه؛ فلا هو مستقرّ في ضبط يمنعه، ولا هو منطلق في تيه يريحه، بل معلق بينهما في حالة تذبذب مستمرة تدار بالعقل ولا تحسم به.

أشار القرآن إلى هذا الوعي المنقسم حين وصف من يعلمون الحق ثم يعرضون عنه، فقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾؛ فالجحود هنا لم يكن ثمرة جهل، بل نتيجة صراع داخلي حُسم لصالح الهوى لا البصيرة. وهذا ما أكده ابن تيمية حين نبّه إلى أن كثيرا من الناس يعرفون الحق ولا يتبعونه لغلبة الهوى أو طلب السلامة، فيكون العقل واعيا بتناقضه لكنه يؤجل الحسم. ومن الزاوية النفسية الأخلاقية بيّن إريك فروم أن الإنسان قد يهرب من الحرية لا لغياب المعرفة، بل خوفا من كلفة الاختيار، فيلوذ بالتبرير بدل الموقف. وذهبت هانا أرندت إلى أن أخطر صور الانحراف تصدر عن عقول تفهم جيدا، لكنها علقت ميزان المسؤولية الأخلاقية، فصار الذكاء مهارة في إدارة التناقض لا في تجاوزه.

وأخطر مظاهر التيه أن يستثار الوجدان على حساب الميزان، فتدار القناعات بالعاطفة لا بالحجة، ويختزل العقل في ردود أفعال آنية؛ وهو المسلك الذي حذر منه علماء الإسلام حين قرنوا الهوى بالانحراف، لا لأنه يلغي العقل، بل لأنه يوجهه توجيها انتقائيا، وعند هذه المرحلة لا يعود التيه خللا فرديا معزولا، بل يتحول إلى نمط عام تتفكك فيه المعايير، ويضعف الاجتماع على معنى واحد، كما نبّه ابن خلدون حين ربط فساد الأحوال لا بضعف العقول، بل بضعف الإرادة الجمعية في الالتزام بما تراه صوابا، فينقلب العقل من مرشد إلى مبرر، ومن حارس إلى تابع.

وليس الخروج من التيه قفزة وجدانية ولا اندفاعا عاطفيً، بل عودة واعية إلى وظيفة العقل كما أرادها الوحي عقلٌ يفهم ليلتزم ويزن ليختار ويعرف ليمنع، فالنجاة ليست في كثرة المسارات، بل في وضوح الوجهة، ولا في سعة المعرفة، بل في صدق الموقف منها. وقد قرر القرآن هذا المعنى تقريرا حاسما بقوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾؛ فالرشد ليس غامضا حتى يلتمس، وإنما يترك حين تغلَّب الأهواء على البصائر، ويؤجل الحسم طلبا لسلامة مؤقتة.

وعليه، فإن بناء الوعي ليس ترفا فكريا، ولا شأنا فرديا معزولا، بل شرط العمران وأساس الاجتماع؛ فالمجتمعات لا تنهار حين تجهل، بل حين تعرف ولا تعمل، وتدرك ولا تلتزم، وتُكثر من التأويل لتؤجل القرارـ، وإذا كان حفظ العقل مقصدا شرعيا، فهو حفظ لوظيفته في الهداية والضبط، لا لقدراته الذهنية المجردة. عند هذا الحد فقط يستقر العقل في مرساه، ويغادر التيه لا بالإنكار، بل بالاختيار الواعي، فيعود للمعرفة معناها، وللحرية قيمتها، وللإنسان كرامته.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights