نقاء النفوس .. الطريق إلى السمو الإنساني

صالح بن سعيد الحمداني
حمل القلوب على حب الخير والتمسك بحسن الظن من أجمل الصفات، فمن أجمل ما يمكن للإنسان أن يتحلى به في حياته صفاء قلبه ونقاء سريرته وخلو نفسه من سوء الظن بالآخرين ومن الشك بهم، فإن النفس الطيبة النقية التي لا تحمل في أعماقها إلا الخير للناس، هي تلك النفس الراقية الزكية بمكارم الأخلاق فهي حتمًا نفسًا تعكس للآخرين مستوىً متقدمًا من رقي التفكير ونُبل الأخلاق، إن حسن الظن والتمسك بالخير لا يمكن أن يكون ضعفًا أو سذاجة كما يظنه البعض بل إنه دليل قاطع وبرهان ساطع للنفس على التوازن الداخلي والاستقرار النفسي وقوة في التعامل مع الآخرين من منطلق الرحمة والتسامح لا الريبة والتوجس.
عندما خلق الله الإنسان أودع في فطرته حب الخير والسعي إليه نحو الود والتواصل وجعل سبحانه وتعالى التراحم بين البشر سببًا في سعادتهم وراحتهم النفسية، فالأخلاق الطيبة والسيرة الحسنة والعلاقات الودودة بين الناس من أعظم النعم التي لا تُقدَّر بثمن أبدًا ولو أنفق الإنسان كل ماله بل وكل كنوز الأرض ما استطاع أن يشتري بها قلوب الناس أو يحصل وينال محبتهم الخالصة.
المصالح أو المجاملات الظاهرية لا تحقق التآلف بين البشر، فالتآلف يجب أن ينبع من صفاء داخلي يجعل الإنسان يطمئن للناس ويحبهم كنفسه ويحب الخير لهم كما يحبه لنفسه أيضًا، وهذا لا يكون إلا عندما يحرص الإنسان على تربية نفسه وتهذبيها وتنقيتها من رواسب الشك وسوء الظن بالآخرين، فكم من علاقات تصدعت وتهدَّمت وروابط أسرية تقطَّعت وصداقات انكسرت لا لشيء ولا لسبب سوى الشكوك التي لا أساس لها والظنون السيئة التي لو فُتح بابها لما أُغلق ولما عاش المرء لحظة راحة أو طمأنينة.
ووجود إنسان سلبي في حياة المرء يُعد معوقًا حقيقيًا للراحة النفسية والتقدم الشخصي (الدمار الذاتي)، فالإنسان عندما لا يرى في الحياة إلا جوانبها القاتمة ولا يتفاعل بالحياة مع محيطه إلا بروح التشاؤم والسلبية يشكّل عبئًا ثقيلًا على من حوله، فهو قد يُبدّد طاقتك ويُضعف همّتك ويُشوش رؤيتك للأشياء، بل والأسوأ من ذلك كله قد يبث في نفسك بذور القلق والشك، ويجعلك تفقد الثقة حتى بأقرب الناس إليك وأعزهم على نفسك ولو كانوا غرباء ولكنهم صادقين.
لذا فإن التعامل مع المرء السلبي لا يحتمل المساومة الطويلة فإمّا أن يسعى المرء لتقويمه إن كان ذلك ممكنًا أو أن يبتعد عنه دون تردد ولو كان ذا قُربى لأنه سلبي ولا يمكن لسلبي أن يحقق لك نجاحًا، والحياة قصيرة والمضي فيها مع من يستهلك طاقتنا النفسية هو ظلم للنفس وتأخير عن بلوغ الأهداف وتحقيق الذات، والمضي مع من يأخذ بيدينا ويقوم ذاتنا ويبني مكون النفس بثقة وهمة عالية ووفاء وصدق هو من يستحق أن نجعل يدينا بيده.
من الحكمة البالغة أن يُحيط الإنسان نفسه بأشخاص إيجابيين يأخذوا بيده نحو النجاح والسمو والرفعة، يحملون الأمل في نظرتهم للأشياء ويدفعونه نحو الأفضل لا الأسوأ، يرسمون الآمال والطموحات ويشعلون فتيل الهمة والعزيمة، أما أولئك الذين يستحيل أن يُصلحوا من أنفسهم أو يغيروا من طباعهم السامة وتخلفهم الفكري فلا جدوى من البقاء بجوارهم، الرحيل عنهم هو خيار شجاع وخطوة ضرورية نحو الاتزان النفسي والنجاح الشخصي.
ومن منطلق الفكر والتطور للنفس لا يسعنا إلا أن نؤكد أن جمال النفس لا يأتي من المظهر ولا من الماديات التي يراها الناس أو من الحسب والنسب وسماع القيل والقال والبحث في خلفيات الآخرين، بل من قدرتها على التسامح وحُسن الظن وبناء جسور المحبة بين الناس، تلك القلوب الصافية لا تزعزعها النوايا السيئة ولا تهلكها الشكوك بل تظل ثابتة على مبدأ الخير مهما كانت تقلبات الحياة، إنها كنز حقيقي ونعمة عظيمة لا تُشترى ولا تُعَوَّض وإنما تُزرَع وتُرْوَى في وجدان الإنسان حتى تُثمر حياةً مليئةً بالسلام الداخلي والسكينة.
ابتعد عن السلبية وأشكالها السيئة البغيضة وأهلها فكلما كانت نفسك نقية تقية تواقة للنور كانت حياتك أرقى وأجمل، فاحرص على أن تكون من أصحاب القلوب البيضاء.



