(1.5) كَيْفَ تُصْنَعُ الهُوِيَّةُ العُمانِيَّةُ فِي لَحَظَاتٍ لَا تُدَرَّسُ؟

د. مُحَمَّد الزُّفَيْتِي
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ»، وَفِي هَذَا التَّوْجِيهِ تَتَجَلَّى حَقِيقَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ عَمِيقَةٌ، أَنَّ القِيَمَ لَا تُبْنَى بِالمَعْرِفَةِ المُجَرَّدَةِ، بَلْ تَنْشَأُ مِنْ خِلَالِ العَمَلِ وَالمُمَارَسَةِ. وَهُوَ مَا تُؤَكِّدُهُ نَظَرِيَّةُ التَّعَلُّمِ التَّجْرِيبِيِّ لَدَى ديفيد كولب الَّتِي تَرَى أَنَّ التَّعَلُّمَ يَمُرُّ بِدَوْرَةٍ تَبْدَأُ بِالتَّجْرِبَةِ، ثُمَّ التَّأَمُّلِ، فَالفَهْمِ، ثُمَّ إِعَادَةِ التَّطْبِيقِ، وَفِي هَذِهِ الدَّوْرَةِ يَتَحَوَّلُ التَّعَلُّمُ إِلَى خِبْرَةٍ حَيَّةٍ تُشَكِّلُ السُّلُوكَ وَتُرَسِّخُ القِيَمَ.
وَمِنْ هُنَا، تَتَّخِذُ الأَنْشِطَةُ المَدْرَسِيَّةُ بُعْدًا أَعْمَقَ مِنْ كَوْنِهَا فَعَالِيَّاتٍ مُصَاحِبَةً، فَهِيَ مَسَاحَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ يُمَارِسُ فِيهَا الطَّالِبُ التَّعَلُّمَ بِشَكْلٍ حَقِيقِيٍّ، خَاصَّةً عِنْدَمَا يُمْنَحُ دَوْرًا فَاعِلًا كَقَائِدٍ وَمُمَارِسٍ، يُخَطِّطُ وَيُنَفِّذُ وَيُقَيِّمُ، فَيَعِيشُ التَّجْرِبَةَ بِمَرَاحِلِهَا، وَيَتَعَلَّمُ كَيْفَ يُفَكِّرُ، وَيُبْدِعُ، وَيَتَّخِذُ القَرَارَ، وَيُدْرِكُ دَوْرَهُ فِي مُجْتَمَعِهِ بِوَعْيٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ، وَهُنَا لَا يَتَوَقَّفُ التَّعَلُّمُ عِنْدَ حُدُودِ المَعْرِفَةِ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ بِنَاءَ الشَّخْصِيَّةِ.
وَيَتَجَلَّى الأَثَرُ بِوُضُوحٍ عِنْدَمَا تَرْتَبِطُ الأَنْشِطَةُ بِمَوَاقِفَ تَعَلُّمِيَّةٍ مُبَاشِرَةٍ، فَفِي دَرْسٍ حَوْلَ الحِفَاظِ عَلَى المُمْتَلَكَاتِ العَامَّةِ، يَنْتَقِلُ الطَّالِبُ مِنْ فَهْمِ الفِكْرَةِ إِلَى تَطْبِيقِهَا عَمَلِيًّا مِنْ خِلَالِ تَنْظِيمِ مَرَافِقِ المَدْرَسَةِ أَوِ العِنَايَةِ بِسَاحَتِهَا، فَيُصْبِحُ المَفْهُومُ سُلُوكًا مَلْمُوسًا، وَيَشْعُرُ بِمَسْؤُولِيَّتِهِ تُجَاهَ مَا حَوْلَهُ، وَمِنْ هُنَا تَتَجَذَّرُ قِيَمُ الِانْتِمَاءِ، لِأَنَّهَا لَمْ تُقَدَّمْ لَهُ كَفِكْرَةٍ، بَلْ عَاشَهَا كَتَجْرِبَةٍ.
وَمَعَ هَذَا الدَّوْرِ، يَبْقَى التَّحَدِّي فِي جَوْدَةِ التَّفْعِيلِ، فَلَيْسَتْ كُلُّ الأَنْشِطَةِ تُحَقِّقُ أَثَرًا، بَلْ تِلْكَ الَّتِي تُبْنَى عَلَى رُؤْيَةٍ وَاضِحَةٍ، وَتُصَمَّمُ كَتَجَارِبَ تَعَلُّمِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ، تَرْتَبِطُ بِوَاقِعِ الطَّالِبِ، وَتَنْسَجِمُ مَعَ أَهْدَافِ التَّنْمِيَةِ، وَهُنَا يَتَجَلَّى دَوْرُ القِيَادَةِ التَّرْبَوِيَّةِ فِي تَوْجِيهِ هَذَا المَسَارِ وَتَعْزِيزِ أَثَرِهِ.
وَخُلَاصَةُ القَوْلِ :
إِنَّ الأَنْشِطَةَ المَدْرَسِيَّةَ مَيْدَانٌ تَرْبَوِيٌّ تُبْنَى فِيهِ القِيَمُ مِنْ خِلَالِ التَّجْرِبَةِ، وَتَتَشَكَّلُ فِيهِ الشَّخْصِيَّةُ مِنْ خِلَالِ المُمارَسَةِ، فَكُلُّ تَجْرِبَةٍ وَاعِيَةٍ تُقَرِّبُ الطَّالِبَ مِنْ فَهْمِ دَوْرِهِ، وَتُعَمِّقُ صِلَتَهُ بِوَطَنِهِ… وَتُهَيِّئُهُ لِيَكُونَ أَكْثَرَ وَعْيًا وَمَسْؤُولِيَّةً .. حَيْثُ تَبْدَأُ الهُوِيَّةُ العُمانِيَّةُ رِحْلَتَهَا.



