الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

فن التعامل مع المراهقين

 عائشة بنت سليمان القرطوبية

إن مرحلة المراهقة مرحلة طبيعية من عمر الإنسان و تمثل فترة حرجة في حياة الفرد ، حيث أنها تحتاج إلى تكيف من نوع جديد يختلف تماماً عما كان الفرد قد تعود عليه من قبل ، فمرحلة المراهقة من أخطر المراحل التي تواجه كل من يقوم بالتربية ، فيبدأ المراهق في إيجاد فكرة عن الحياة و المصير و الغاية، و تكون مستويات إدراكاته قد تفتحت و تسامت، و ذكاؤه قد بلغ أوجه، و في هذه تتحدد اهتماماته، فكل هذه العوامل العقلية و الاجتماعية، بالإضافة إلى النضج الجنسي، تتظافر في إيجاد الوعي الديني عند المراهق، وذلك لأنها مرحلة انتقال و نصج جسمي وعقلي و نفسي ، واجتماعي ، بين مرحلتين متميزتين هما: مرحلة الطفولة الوادعة ، الساذجة الهادئة ، ومرحلة الشباب التي تسلم المراهق إلى الرشد والنضوج والتكامل ، و لكنه ليس النضج الكامل ، و قد تختلف فترة المراهقة من مجتمع إلى آخر، ففي مجتمعات تكون فترة قصير و في مجتمعات أخرى فترة طويلة، لذلك تم تقسيم مراحل المراهقة إلى ثلاث مراحل :
* المرحلة الأولى : ( من ١١ إلى ١٤ ) سنة و تتميز بتغيرات بيولوجية سريعة .

* المرحلة الوسطى : ( من ١٤ إلى ١٨) سنة و هي مرحلة اكتمال التغيرات البيولوجية.
* المرحلة المتأخرة : ( من ١٨ إلى ٢١) سنة حيث يصبح الشاب أو الفتاة إنساناً راشداً بالمظهر و التصرفات ، ومن هنا كان من الواجب توجيه المراهق توجيهًا سليماً واضحاً ، ووجب الابتعاد عن السطحية والضحالة في تقديم الأفكار الدينية له وتعليمه إياها، ليكون فهمه للدين فهماً صحيحاً، بعيداً عن الأوهام و التعصب و الخرافات، حيث أنه من خصائص و مظاهر مرحلة المراهقة، الخيالات و قراءة القصص الجنسية و الروايات البوليسية و قصص العنف و الإجرام، كما يميل المراهق إلى الحب من أول نظرة و أحلام اليقظة، و حب المغامرات و ارتكاب الأخطار ، و الميل إلى التقليد ، كما يكون عرضة للإصابة بأمراض النمو، كفقر الدم و تقوس الظهر و قصر النظر، و تختلف المراهقة من فرد لآخر، و من بيئة جغرافية لأخرى، باختلاف الأنماط الحضارية التي يتربى فيها المراهق ، فمرحلة المراهقة ليست مستقلة استقلالًا تاماً، و إنما هي تتأثر بما مر به الطفل من خبرات في المرحلة السابقة، و النمو عملية مستمرة و متصلة، فمن أشكال المراهقة :
١- مراهقة سوية : الخالية من المشكلات و الصعوبات.

٢ – مراهقة انسحابية : حيث ينسحب المراهق من مجتمع الأسرة و مجتمع الأقران و يفضل الانعزال و الانفراد بنفسه .
٣ – مراهقة عدوانية : حيث يتسم المراهق فيها بالعدوان على نفسه و على غيره من الناس و الأشياء.

و أبرز المشكلات و التحديات السلوكية في حياة المراهق ( الصراع الداخلي ، الخجل و الانطواء ، الاغتراب و التمرد ، العصبية و حدة الطباع، السلوك المزعج )، حيث يعاني الآباء من الخوف الزائد على أبنائهم من رفقاء السوء و عدم قدرتهم على التمييز بين و الخطأ و الصواب ، باعتبارهم قليلو الخبرة و متهورين متمردين، يرفضون أي نوع من النصح و الوصايا، و يطالبون بالمزيد من الحرية و الإستقلال، و بحاولون الإنفصال عن الآباء بشتى الطرق ليعيشوا عالمهم الخاص ، ضد تيار الأهل، فيشعر الأهل و المراهق أن كل منها لا يفهم الآخر، فيجب على الأهل اتباع الحوار الحقيقي مع المراهق و إنشاء علاقة صداقة معهم ، و احترام و تفهم مشاعرهم، بدل التنافر و الصراع والاعتزال المتبادل ، و يجب على الأهل تفهم وجهة نظر الأبناء، كما يجب علاج عصبية و حدة و اندفاع المراهق
و عنفه الزائد و توتره، من خلال الأمان و الحب و العدل و الاستقلالية و الحزم ، ليشعر المراهق بالأمان و الطمأنينة.

أيضاً يجب على الآباء تبصير المراهق بعظمة المسؤولية التي تقع على كاهله و كيفية الوفاء بالأمانات و إشغاله بأعمال الخير المثمرة و البناءة، و تصويب المفاهيم الخاطئة في ذهنه، و نفي العلاقات المزعومة بين الاستقلالية و التعدى على غيره، و تشجيعه على مصاحبة الأصدقاء الجيدين، و مراعاة المراهق الآداب العامة، و عدم الإعتداء على الناس، و ممارسة السلوك المزعج، و تخريب الممتلكات العامة و البيئة، و قد يكون الإزعاج لفظياً أو عملياً.
في الغالب يشعر المراهق بالخجل و الانطواء مما يعيق تحقيق تفاعله مع المجتمع، من هنا وجب على الآباء توجيهه بصورة دائمة غير مباشرة و إعطائه مساحة كبيرة للنقاش و الحوار معه و التسامح.
كما يجب السماح للمراهق بالتعبير عن أفكاره الشخصية و توجيهه نحو البرامج الفعالة و ممارسة مفهوم التسامح، و التعايش في محيط الأندية الرياضية و الثقافية، و تقوية الوازع الديني من خلال تأدية الفرائض الدينية، و التزام الصحبة الصالحة، و مد جسور التواصل و التعاون مع أهل الخبرة و الصلاح في محيطه.

كما يجب اتباع النظرية الإسلامية في التربية، و تتبع أربع أسس ( تربية العقل، تربية الروح، تربية الجسد، و تربية النفس )،
و تربية العقل للمراهق ، بإشغال أوقات فراغه بالقراءة ، و الأنشطة المفيدة و المشاركة في الأعمال الخيرية و التطوعية ، و مشاركته الرأي ، و الحوار ، وحضور الندوات و البرامج التوعوية و التثقيفية، و الاهتمام بميوله.
و تربية الروح بالجانب الإيماني، تلاوة القرآن ، حثهم على أداء الصلاة، الأذكار و التأمل، و تهذيبه بالعبادات ، و تذكيره بنعم الله.
و تربية النفس تكون على الطاعات و الثقة بالنفس و قيادة الذات، تبعث السكينة والطمأنينة في نفس المراهق، و القناعة العقلية و الوجدانية والمباعدة بينه و بين الغرور، لنحفظه من الانحلال و الاستهتار.
و في تربية الجسد نتخذ مع المراهق موقفاً إيجابياً من الأخلاق، فلا نتقبل منه أي موقف أخلاقي، دون مناقشة أو تقليب نظر، و تربيته على العادات و التقاليد، من كل النواحي حتى في ملبسه، فقد يندفع المراهق

في غمار الحياة لتحقيق رغباته و إشباع دوافعه الفطرية دون احترام المبادئ الأخلاقية.
ما لم يكن هناك وازع من الدين و التربية القويمة، التي تربط القيم الأخلاقية بعقيدة المراهق، و إيمانه بالله تعالى، و وجوب التزامه بشرع الله، و ضبط النفس بين دوافعه و ضوابطه و طموحاته و واقعه، و هذه مسؤولية عظمى على عاتق الآباء و كل من جعله الله مربياً أو داعياً لهذه الفئة، تحتاج إلى عون من الله تعالى، و الجهد و الصبر و المصابرة و المثابرة.

فوجب علينا أن نوليهم اهتماما أكبر، و رعاية أفضل و تربية أحرى و أدق، و لأنهم عماد كل أمة و أساسها، و نبض الحياة في عروق الوطن، هيا بنا نبذل قصارى جهدنا في تهذيب أبنائنا المراهقين و توجيههم ، ففي بيت كل منا مراهق . أسأل الله أن يهديهم و يصلحهم و يحفظهم و يرزقنا برهم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights