الجمعة: 13 مارس 2026م - العدد رقم 2853
مقالات صحفية

عُمان: هوية وطن لا تعرف الحدود

نجية الغافرية

هل الوطن بداخلنا، أم نحن بداخله؟

ما معنى أن تصبح فراغًا مُفرَّغًا، ككرة يطُرق بجدرانها لمعرفة حجم اللاشيء بداخلها؟ أو فراغًا مُسطَّحًا، مهما مُلئ لا يكتفي؟ من جانبٍ آخر، هل نحن كمحلول كيميائي يمكن إشباعه؟ أم كذرات هواء، ثابتة بذواتها؟

ربطَ اللهُ الروحَ بالجسدِ الفارغ، فأشبعَ الروحَ بالجسد، ووضعها بداخله. تجسَّدت هويَّتنا لنا بالخضوع، لنشُبعها بالمأوى ونضعها بداخله، كدمج عنصرين لنستطيع إشباعهما بالوفاء.

ولكن أي العنصرين ندمج؟

لكي ينتمي الوطن إلينا، وننتمي إليه، يجب أن نرفع راية الفخر، كعادةٍ تجوب أفئدة الوطن، ونرسخ أوتاد العلم في طياتها. علينا أن نغلغل هويتنا، عاداتنا، تقاليدنا، وتواصلنا، لننُتج حلزونًا مستدامًا، بدايته وطنٌ وآخره وطن.

التفتيش عن الوطنية في دواخلنا من أعمق ما قد يستميل المرء نحوه، ويدفعه للسعي. أن تملك دافعًا يحُملك على الخطى لأجل مسمى أعظم من السعي لأجل نفسك فقط؛ هو أسمى ما يكون. فكلما توسعت دائرة العقول المُعلقة آمالها بك؛ كان الإنجاز أعظم. فماذا لو كان وطنٌ راسخٌ شامخٌ قد علقَّ آماله على إنجازك؟، يولد في سلطنة عُمان سنوياً حوالي عشرة آلاف وتسعمائة واثنان وعشرون، تولد سنوياً حوالي عشرة آلاف هوية عمانية أصيلة في السلطنة، لو عمل كل منهم في مختلف الأعمال ومن أجل تطوير الوطن وتوسيع نطاق ثقافة الناس حول هويتنا كعمانيون، إلى أين سيصل حال بلدنا؟ هل نستحق تعليق الوطن آمالنا به؟

ما الذي يمُكِنك من الوفاء بدينك للوطن؟

ماذا لو كنت تعمل بعطاءٍ مستمر، لا وهن فيه؟ قد ينجح المرء على مستوى مدرسته لأجله، وقد ينجح شخصٌ على مستوى العالم ليرتقي بوطنه. عند الوطن يكون العمل صادقًا، وليس هتافًا بشعاراتٍ واهية لا يمكن الشعور بها. تنتهي الشعارات وتتغير، ولكن العمل والإنجاز خالدٌ ينُقش في كُتب التاريخ الوطنية. فالبذل والإسراف لأجل الدار مستحب، وليس ذا إلا امتناننا للاستقرار والأمان والاطمئنان ويجب أن يُترجم إلى عطاءٍ للوطن. فما الذي كان سيؤول إليه حال أبو عبيدة، لولا خوفه على فلسطين؟

مهما ابتعد بنا المكان، تنتمي أرواحنا لمسقط الرأس، لذات العادات والتقاليد. تسُتدرج أطيافنا نحو ما يطُابق تصرفاتنا وسِماتنا؛ مما يجعل الشَّبه بين المكان وهويتنا مؤكدًا. من الوطن تستلهم أرواحنا مسارها، وتقتدي به أوصالنا. هو من يجعل العاطفة تستنزف بلا مسكن، وتجعل التجاعيد ترتعش بحثاً عن الثبات. حتى لو أفنيتُ عمري في بلدٍ يَسكب عليَّ الحب سكبًا، لن أستحق سوى حب وطني.

إذاً من أين وُلد حُب الوطن فينا؟

يبدأ من أعماقنا، دواخلنا وفطرتنا من بداية سمتٍ عماني أصيل، إلى من شكلنا به آبائنا للتعامل به لمن حولنا، كهز فنجان القهوة عند الاكتفاء واستقامة الظهر الصحيحة عند الجلوس، والطريقة التي يرحب بها الآخر فيما بيننا، منذ أن حفظنا أولى كلماتنا من خطاب جلالته المعظم حين قال:
“يا أبناء عُمان الأعزاء” وتلقاه إدراكنا على أنه واجب من واجباتنا، أن نَبر بأمُنا سلطنة عُمان ونحتذي بوالدنا السلطان ونتميز بحقنا في التربية تحت حِماية الأب وظل الأمُ.

حين يجوب في خواطرنا أن رسول الله دعا بالخير لعمان، تقشعر أبداننا فحتى رسول الله جعلنا من أحبابه. هدوءنا الذي تفردنا به يصُاغ كتميز ناتج من اعتزازنا بهذا الوطن، شعبنا في الصِعاب متماسك حتى زار الاختلاف عقولنا، الشرطي الذي تلقيت منه مخالفة مزعجة وقررت بأن أكرهه اليوم، غداً أنا وهو سنساعد مواطن بكل قوانا كتف على كتف ونتبادل المجاملات بعدها، المسعف الذي تناوشت معه على سبب تافه سأفتح له الطريق غداً ليؤدي عمله وأثني على من رباه التربية التي تحمله على إنقاذ أرواح عديدة، التاجر الذي ضاقت نفسي منه بسبب غلاء أسعاره سنخرج زكاة أنا وهو يداً بيد لمساعدة محتاج فقير وأقول له ” بِعت حلالاً ولم تغش في ميزانك وأخرجت من مالك، فجزاك الله خيراً”.

لم يستطع فؤادي خلق حداً لوطني، عُمانيةٌ أنا، وسامًا، ووشاحًا، وأعلامًا، وترانيمًا. عُمانيةٌ حتى في إنجازاتي وثوابتي. سأختار أن أحوم حولها حتى تحفر الأرض أقدامي، ولن أقبل أن أتكفف انتماءً من وطنٍ آخر. بصفاتي وسماتي وهويتي، عُمانيةٌ حتى لو كنتُ في آخر بقاع الأرض.
سماؤها وأرضها تحمل هويتي بلا فتور، دوافعي وطموحي وسعيي بدأت من نقطةٍ أرست مرساها من عُمان العظيمة، وأبحرت حاملةً شراع الثقة، لترُي العالم هويتي، سأكون ما أرُيد في وطني، وطنٌ بداخلي أحمله بكل رضا ورِقَّة، ووطنٌ أعيش فيه بامتنان.

وطن ليس بحدود الدول، ولا سياج أو عدة أراضي ولا قضبان ترُفع، وطن نحن….

قيل: “هناك شواذٌ في كل قاعدةٍ ثابتة”، فهل هناك شواذٌ في ثبوت حب الوطن؟

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights