الإثنين: 09 مارس 2026م - العدد رقم 2849
مقالات صحفية

بين طهران وتل أبيب: ازدواجية المعايير في الخطاب الغربي

 م. أحمد الفقيه العجيلي

في وقت تواصل فيه إسرائيل عدوانها العسكري على أكثر من جبهة، تتجه أنظار الغرب إلى إيران وحدها، مطالِبة إياها بضبط النفس، متجاهلةً الطرف الذي أشعل فتيل التصعيد. فهل أصبح القانون الدولي يُفصَّل حسب الحليف؟ يسلّط هذا المقال الضوء على ازدواجية المعايير في الخطاب الغربي، حيث تتحول القيم إلى أدوات سياسية لا أكثر.

في خضم التصعيد ..

في ظلّ التصعيد الخطير بين إيران وإسرائيل، تتوالى البيانات الصادرة عن عواصم غربية تدعو إيران إلى “ضبط النفس”، محذّرة من تداعيات أي تصعيد إقليمي. في المقابل، نادرًا ما تُوجَّه دعوة مماثلة إلى إسرائيل، رغم أنها الطرف الذي بدأ موجة الضربات الجوية، واستمر في استهداف الأراضي السورية والمناطق اللبنانية، بل والملاحة الإقليمية، دون رادع أو مساءلة.

هذا التناقض يفتح الباب واسعًا للحديث عن ظاهرة قديمة متجددة في السياسة الدولية: ازدواجية المعايير، التي تُعيد صياغة المبادئ والقيم وفق موازين القوى، لا وفق الحق والعدالة.

حالفات فوق القانون..

لا يمكن فصل الموقف الغربي، وخاصة الأوروبي، عن العلاقة التاريخية والاستراتيجية التي تربط هذه الدول بإسرائيل. منذ نشأتها، تحظى إسرائيل بدعم سياسي وعسكري واقتصادي غير محدود، يجعلها بمنأى عن أي محاسبة دولية. هذا التحالف الوثيق يدفع العديد من العواصم الغربية إلى التردد، أو الامتناع كليًا، عن توجيه إدانة أو حتى مطالبة جادة بوقف العدوان، حتى حين يكون موثقًا ومعلنًا.

إيران والعدسة المشوهة ..

في المقابل، صُوّرت إيران على مدى عقود باعتبارها دولة خارجة عن “النظام الدولي”، وراعية للإرهاب، ومعادية للقيم الغربية. هذه الصورة، التي غذّتها الماكينة الإعلامية والسياسية الغربية منذ الثورة الإسلامية عام 1979، جعلت أي تحرك إيراني، ولو كان دفاعيًا أو ردًا على هجوم، يبدو كعمل عدواني في نظر الخطاب الدولي السائد.

فالضربات التي وجهتها طهران مؤخرًا ضد أهداف عسكرية إسرائيلية – ردًا على اعتداءات متكررة – قوبلت بتحذيرات غربية جماعية، ركزت على ضرورة “ضبط النفس” و”منع التصعيد”، دون أن تُرفق بمطالبة جادة لإسرائيل بوقف اعتداءاتها أو الامتثال للقانون الدولي.

تأثير اللوبيات والآلة الإعلامية ..

يعود جزء كبير من هذا الانحياز إلى النفوذ الواسع للوبيات المؤيدة لإسرائيل داخل الدول الغربية، لا سيما في الولايات المتحدة، فرنسا، وبريطانيا. هذه اللوبيات لا تكتفي بالتأثير على القرار السياسي، بل تمارس ضغوطًا على الإعلام، فتُقدَّم الرواية الإسرائيلية كرواية دفاعية، وتُشوَّه صورة الطرف الآخر، سواء كانت إيران، المقاومة الفلسطينية، أو غيرها.

حين تتحول القيم إلى أوراق ضغط ..

لم يعد هذا النفاق السياسي خافيًا، بل أصبح حديثًا شائعًا في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الحرة. عندما تُستخدم مبادئ “القانون الدولي” و”حقوق الإنسان” كأوراق ضغط ظرفية، لا كقيم ثابتة، فإنها تفقد معناها وتتحول إلى أدوات لخدمة النفوذ.

رأينا كيف تُجيَّش القيم عندما يتعلق الأمر بأوكرانيا، بينما تُصادر بالكامل حين تُرتكب المجازر في غزة، أو تُنتهك السيادة اللبنانية والسورية من قبل طيران الاحتلال.

ختامًا: بين الأخلاق والمصالح ..

يدعو العالم إيران إلى ضبط النفس، لكنه لا يجرؤ على مطالبة إسرائيل بوقف عدوانها، رغم أنها من أشعل فتيل الحرب. هذه المفارقة المؤلمة ليست سوى انعكاس لنظام عالمي لا تحكمه القيم، بل المصالح، ولا تقوده العدالة، بل التحيّز السياسي والاستراتيجي.

ما يجري اليوم لا يهدد استقرار المنطقة فحسب، بل يهدد مصداقية المجتمع الدولي بأكمله، ويكشف فجوة أخلاقية متزايدة بين ما يُقال في المؤتمرات وما يُمارس على أرض الواقع.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights