إضاءات قرآنية: (ومن آيته)
حميد أبو شفيق الكناني
كاتب إيراني
وردت عبارة ومن آيته في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة في ثلاث سور تبدأ كلها بالحروف المقطعة، مرتان في سورة فصلت الآيتان السابعة والثلاثون والتاسعة والثلاثون، ومرتان في سورة الشورى. الآيتان التاسعة والعشرون والثانية والثلاثون، والسورتان من الحواميم الثانية والثالثة على الترتيب بعد غافر وقبل الزخرف، ووردت عبارة ومن آيته سبع مرات في سورة واحدة تبدأ ب “آلم”؛ هي سورة الروم، وهي من سور الفواصل وعدد آياتها ستون آية، أي أكثر من عشر آيات السورة، وهذا العدد في هكذا سورة فريد من نوعه؛ فهو مميز ومبرز، إذ لم ترد هذه العبارة في السور السبع الطوال ولا في السور المئين والتي يقترب عدد آياتها من المائة أو يتجاوزه بقليل، وقد وردت عبارة ومن آيته في ست آيات متتالية من الآية العشرين إلى الآية الخامسة والعشرين، وآية واحدة منفردة هي الآية السادسة والأربعون، حيث جاء تنظيم الآيات الست وترتيتبها بشكل تكويني منظم ومتدرج، فالآية العشرون تذكر خلق الناس من تراب وانتشارهم في الأرض، والآية الحادية والعشرون حول تناسل الناس عن طريق الزواج وتداوم الحياة الإجتماعية وفق نظام الزوجية بالمودة والرحمة، والآية الثانية والعشرون حول خلق السموات والأرض وتنوع الأجناس والأعراق البشرية من حيث اختلاف اللغة ولون البشرة، والآية الثالثة والعشرون حول حركة المخلوقات وسكونها، حيث خلق الليل للسكون وراحة الخلق والنهار للمعاش وطلب الرزق، وتستمر سلسلة الآيات في شرح إنسيابية التفاعل التكويني حتى التكامل الإجتماعي، إذ تشير الآية الرابعة والعشرون إلى داعم آخر من دواعم الحياة وهو الماء وأفضل الماء المطر، إذ يظهر البرق في السماء منذراً ومبشراً، منذراً بالوعيد ومبشراً بالوعد، والوعد هو هطول الماء من السماء فيحيي الأرض بعد موتها.
وهنا تنتهي سلسلة خمس آيات تطرح وتشرح تشكيل الحياة، حيث التكوين من البداية الترابية إلى نظام إجتماعي قائم ودائم، فالحياة سنة جارية وسيرة سارية على المخلوق كما أراد لها الخالق.
وفي النهاية تشير الآية الخامسة والعشرون إلى يوم القيامة، يوم تقوم السموات والأرض بأمر الله، ثم يخرج الناس من بطن الارض بدعوة الله، الأمر الذي ذكرته السورة في ثلاث آيات تبدأ بعبارة متشابهة وهي: “ويوم تقوم الساعة”، وهذه الآيات هي الثانية عشرة والرابعة عشرة والخامسة والخمسون، ولو بحثنا في شأن هذه الآيات الثلاث لتنوع القول وتوسع الحديث وتفرع الكلام!
أما الآية الأخيرة من الآيات السبع فهي الآية السادسة والأربعون وهي آية جامعة ولامعة.
فالرياح مبشرات في الجو، والفلك تجري في البحر، ولتبتغوا من فضله وأنتم سكان البر.
آية واحدة فرد وست آيات سرد والحديث ذو شجون، ولله في خلقه شؤون.



