الأندية الرياضية… فرصة حقيقية لإنقاذ طاقات الشباب
حمدان بن هاشل العدوي
جاء توجيه جلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – بدراسة المتغيرات السلوكية في المجتمع، ومعالجة التأثيرات السلبية لمنصات التواصل الاجتماعي، ليعبّر بوضوح عن قلقٍ مشروع تجاه فئة الشباب، وما تشهده الساحة الاجتماعية من مظاهر مقلقة، مثل ضعف العلاقات المجتمعية، وتراجع دور القدوة، واتساع الفجوة بين الأجيال.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل نحتاج إلى مؤسسات جديدة لمعالجة هذه الظواهر؟ أم أن الحل يكمن في إعادة تفعيل مؤسسات قائمة، لكنها معطّلة الدور؟
من أبرز هذه المؤسسات الأندية الرياضية.
فالأندية في عُمان ليست مجرد ملاعب لكرة القدم، بل منشآت منتشرة في مختلف الولايات، يرتادها الشباب يوميًا، ويشعرون بالانتماء إليها، ومع ذلك لا يزال دور كثير من هذه الأندية محصورًا في النشاط الرياضي فقط، في وقت نحن فيه بأمسّ الحاجة إلى توسيع هذا الدور ليشمل الجوانب الثقافية والإبداعية والتربوية.
والتجربة العُمانية نفسها تقدّم نماذج مشجّعة يمكن البناء عليها؛ فقد شهدنا، على سبيل المثال، قيام أندية مثل السويق وصور والنصر، في فترات مختلفة، بتنظيم أمسيات شعرية وملتقيات ثقافية بالتعاون مع مثقفي الولايات. كما احتضنت أندية أخرى، مثل بهلاء ونزوى، فعاليات فكرية ومعارض فنية ضمن برامجها المجتمعية.
ويُعد نادي عُمان للفروسية نموذجًا واضحًا لكيف يمكن للرياضة أن تكون حاضنة للهوية والقيم والانضباط، لا مجرد منافسة. كما شاركت أندية عديدة في تنظيم برامج شبابية خلال الإجازات الصيفية، شملت المسرح، والإنشاد، والعمل التطوعي، إلا أن هذه الجهود بقيت موسمية وغير مستدامة.
وتؤكد هذه الأمثلة أن الفكرة ليست غريبة على المجتمع العُماني، لكنها تحتاج إلى تنظيم، ودعم، واستمرارية.
إن تحويل الأندية الرياضية إلى أندية رياضية ثقافية يمكن أن يفتح آفاقًا واسعة أمام الشباب في مجالات هم في أمسّ الحاجة إليها، مثل كتابة القصة والرواية بدل تفريغ الأفكار في محتوى عابر على وسائل التواصل الاجتماعي، والشعر الذي لا يزال حاضرًا بقوة في الوجدان العُماني، إضافة إلى الموسيقى والإنشاد كبدائل راقية للتفريغ النفسي، والفنون التشكيلية لصقل الذائقة الجمالية وبناء الحس الإبداعي، والفروسية بوصفها قيمة قبل أن تكون رياضة.
وهنا تبرز أهمية الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص؛ فالحكومة تضع الإطار والتشريع، ويساهم القطاع الخاص في التمويل والرعاية واكتشاف المواهب، ضمن برامج واضحة ومحوكمة، تضمن ألا تتحول الأنشطة إلى اجتهادات فردية أو مناسبات عابرة.
إن النادي الذي يفتح أبوابه للشباب بعد العصر، لا ليتدرّبوا فقط، بل ليكتبوا، ويرسموا، ويتحاوروا، ويقرأوا، هو نادٍ يحمي مجتمعه بهدوء، ويصنع قدوات حقيقية من داخل الحيّ والولاية.
ختامًا، فإن توجيه جلالة السلطان – أبقاه الله – ليس مجرد تشخيص لظواهر سلبية، بل دعوة صريحة لتحمّل المسؤولية، واستثمار ما نملك من مؤسسات قبل البحث عن بدائل جديدة. والأندية الرياضية، إذا أُعيد تعريف دورها، يمكن أن تكون أحد أهم مفاتيح بناء الإنسان العُماني في زمن التحوّلات السريعة.



