حِين تَخونُ الأَسْبَاب !

محمد عبدالرحمن
يقول الفيلسوف المسلم أبو حامد الغزالي في كتابه “تهافت الفلاسفة”: «إنَّ الاقتران بين السبب والمسبب ليس ضرورياً بذاته، فالنار لا تحرق بطبعها، بل بإذن خالقها !»
إنني أريد إفهام المفتونين بالآلة أنَّ القوة المادية بدون مدد السماء هي “وهمٌ” برّاق، وأنَّ الركون إلى الأسباب وحدها هو خذلانٌ مبيّن، وأنَّ الأمة التي تظن أنَّ صواريخها هي ربها، حتماً ستُهزم من داخلها قبل أن تُهزم في الميدان !
ما زال كثيرون منا يعتقدون أنَّ امتلاك “البيانات الضخمة” هو الضمان الأوحد للبقاء، وأنَّ التفوق الرقمي هو الحصن الحصين ! يجهلون أنَّ القوة إن لم تكن مسيجة بـ “التقوى” فستتحول إلى وبالٍ على صاحبها، تماماً كما انقلب السحر على الساحر !
تخبرنا كتب السيرة أنَّ المسلمين يوم “حنين” أعجبتهم كثرتهم، نظروا إلى صفوفهم الطويلة وعتادهم القوي وقالوا بزهو: «لن نُغلب اليوم من قلة !». فكانت النتيجة أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وولوا مدبرين، ليعلموا أنَّ النصر لا يُنحت في المصانع، بل يُستنزل من السماء !
وتخبرنا كتب السير أيضاً أنَّ الفئة القليلة في “بدر” لم تكن تملك إلا سيوفاً صدئة وخيلاً معدودة، ومع ذلك هزمت عصبة الشرك التي جاءت بقدها وقديدها وخيلها وخيلائها! لم ينتصروا بالخشب والحديد، بل بـ «أني ممدكم بألفٍ من الملائكة»؛ ليعلمنا التاريخ أنَّ السبب قد يُلغى بأمر صاحبه !
وتخبرنا كتب السيرة أيضاً عن النمرود، ذلك الطاغية الذي ملك الأرض شرقاً وغرباً، وبنى الصروح، وادعى الربوبية بقوته المادية، لم يحتاج الله ليهزمه بجيشٍ جرار، بل أرسل إليه “بعوضة” واحدة دخلت في أنفه فجعلته يطلب من حاشيته أن يضربوا رأسه بالنعال ليستريح ! حتماً نحن نحتاج للأسباب، ولكن من المؤكد أنَّ مَنْ جعلها إلهاً فقد ضل !
المعادلة لم تكن يوماً إلغاءً للأسباب، بل “تأليهاً” لها هو الخطر. فالأخذ بالسبب “عبادة”، والاعتقاد به “شركٌ” خفي !
عندما نزل إبراهيم عليه السلام في النار، كانت كل الأسباب المادية تقول إنه “محترق” لا محالة، ولكن مسبب الأسباب قال: «يا نار كوني برداً وسلاماً». سلب الله من النار خاصية الإحراق ليُخبر البشر أنَّ القوانين التي وضعها، هو وحده مَنْ يملك تعطيلها !
ويوم الهجرة، وقف المشركون على باب الغار، لم يكن بين النبي ﷺ وبينهم إلا شبرٌ واحد، كانت الأسباب المادية تقول: «لقد قُبض عليه»، فجاء اليقين النبوي ليهدم حسابات المادة: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟»
الأمة التي تملك التكنولوجيا وتفقد “الروح” هي جثة هامدة في ثياب أنيقة. مَنْ اعتمد على ماله قلَّ، ومَنْ اعتمد على جاهه ذلَّ، ومَنْ اعتمد على عقله ضلَّ، ومَنْ اعتمد على الله فلا قلَّ ولا ذلَّ ولا ضلَّ.



