فصولُ القلبِ الناقصة .. حين نحبُ أنفسنا في عيونِ الآخرين

عادل بن حميد الجامعي
في حياة الأديب، الحب ليس مغامرة عاطفية، بل رحلة استكشافية في متاهة الذات.. إنه لا يحب كما يحب الناس، ولا يهيم كما يهيم العشاق، بل ينظر إلى المرأة كما ينظر الفيلسوف في مرآة الروح: باحثًا لا عن جمالها، بل عن ما يظهر من ذاته فيها.. فإن أضاءت، أحبّ؛ وإن انطفأت، اختنق. كل امرأة مرت في حياته لم تكن هي المقصودة، بل كانت انعكاسًا جزئيًا، أو مجازًا مرئيًا، لحقيقة يبحث عنها منذ البدء: حقيقة “نفسه” التي لا تهدأ.
كان يظنُّ أنه يكتبُ عن الحب.. لكنه في الحقيقة كان يكتب عن “ضياعه”. لم تكن بدري حبيبة، بل كانت طفولته المبللة بندى البدايات، تلك اللحظة الأولى التي شعر فيها أن شيئًا ما في قلبه يتحرك.. وحين غابت، لم يُردها لذاتها، بل أراد أن يسترجع بها تلك “الرجفة الأولى”. أما نيلي، فكانت كأنها مرآة ساخنة ولامعة.. رأى فيها شخصًا آخر من نفسه: الجريء، المغامر، المنطلق.. لكنه حين فشل في امتلاكها، أدرك أنه لا يستطيع احتواء الجزء الذي رآه منها.. كانت نيلي مرآة عالية الحرارة.. لا تمسك بها يد، ولا يسكن في ضيائها أحد..
ثم جاءت الزوجة.. لم تكن مرآة.. بل كانت جدارًا يستند إليه، وخبزًا يوميًا يقيه الجوع.. معها عرف معنى الثبات.. لكنه اشتاق للارتباك! معها هدأت حياته.. لكن ثار فيه سؤال: “هل أعيشُ أم أؤدي دورًا؟” لقد أحبها، نعم، لكن لا بنفس الطريقة التي أحب فيها بدري أو نيلي.. معها لم يكن انعكاسه واضحًا.. كان فقط يرى نفسه كواجب، لا كأغنية.
كان كل حبٍّ في حياته فصلًا ناقصًا من كتابٍ لما يُكتب بعد، وكل امرأة حبرًا سال ليكشف له سطرًا من ذاته. لم يكن في داخله قلبٌ واحد، بل قلوبٌ ثلاثة، كل منها يتغذّى من مرآة امرأة مختلفة! ولأنه لم يجمع مراياه كلها في مرآة واحدة، ظل يتنقّل لا بين نساء، بل بين احتمالات نفسه.
إن أكثر النفوس تعقيدًا ليست تلك التي تحب الكثير، بل التي تحب نفسها في كل وجه تُقابله.. الأديب لم يكن نرجسيًا، لكنه كان مفتّتًا. كان يسعى لتجميع شتاته في كل علاقة، لكنه كل مرة ينكسر أكثر.. لأن الانعكاسات لا تُنقذ أحدًا من نفسه، بل تزيدها غموضًا.
في النهاية، لم يكن يبحث عن بدري، ولا عن نيلي، ولا حتى عن حضن الزوجة.
كان يبحث عن ذلك الطفل الضائع في أول دمعة شعر بها أمام أول أنثى قالت له “أحبك”.
كل ضلعٍ من هذا المثلث، هو في الحقيقة ضلعٌ من ذاته الناقصة، وكل حبٍ عاشه، ما كان إلا محاولة فاشلة لإكمال الدائرة.. لذلك، ما أحب إلا ذلك “الذي يكونه معها”.. ثم حين تفشل العلاقة، لا يندبها، بل ينهار!! لأنه فقد قطعة من نفسه، لا من الحبيبة.
وهكذا يظل الأديب يكتب، لا لأنه يريد أن يُخلِّد حبيبته، بل لأنه يحاول أن يُخلِّد ما كانه في حضرتها.
ومزيدًا من فصول هذا التيه، تلقونه في إصدار قادم بإذن الله.



