رحيل سراج المسجد

طالب المقبالي
فجع رواد مسجد العالي ببت القرن برحيل سراج المسجد ، والروح والحياة وآخر نور يشع في هذا المسجد بعد أن رحل عنه من قبل مشايخ كثيرون من باب الذكر لا الحصر ، الشيخ سليمان بن مهنا السالمي والشيخ مبارك بن سالم المقبالي ، وغيرهم من المشايخ الفضلاء .
لقد رحل حبيبنا ووالدنا وجارنا حمود بن سليمان الغافري رحمه الله .
لقد عانى الوالد حمود كثيراً وتقلب كثيراً في فراش المرض ، إلا أن نفسه تأبى أن يغادر المسجد ، إلا للضرورات القصوى .
فقد كان السبَّاق إلى المحراب ، وكان يشنف آذاننا بسماع صوته المميز حين يصدح بقول الله أكبر الله أكبر ، حي على الصلاة حي على الفلاح ، لقد كان صوته يتسلل إلى مسامعنا فجراً ونحن نغط في سبات عميق .
فنقوم متثاقلين ، بينما يكون قد سبق الجميع إلى المحراب ، وإلى مكبر الصوت وإلى المرفع الذي يضع عليه مصحفه .
لقد كان آخر عهد لي به بعد صلاة مغرب أمس الجمعة ، حيث كنت في الصف الأول إلى شماله ، وما إن سلم الإمام حتى سلمت عليه وصافحته ، ولم أكن أعلم أن هذه هي آخر مصافحة له وإلا قبَّلتُ تلك اليد التي غالب وقتها تلامس المصحف الشريف ، تلك اليد التي امتدت بالخير .
ذات يوم جاء إلى المسجد متسوِّل فمد يده إلى جيبه ليعطيه مما قسم الله ، فقلت له الوالد حمود هذا متسوِّل ، فربما يكون مدعي ، والتسول ممنوع ، فقال رحمه الله ، علينا بظاهر الأمر ، ونعطيه بما قسم الله ونكسب الأجر ، فكان رحمه الله لا يترك باباً يجد فيه الأجر إلا وطرقه .
لقد كان رحمه متواجد في تشييع الجنازات أينما سمع عن جنازة ، فهو يسابق إلى الأجر .
وها هو اليوم يغادرنا ويغادر دنيانا الفانية ، فهل أقدم التعازي في فقده ؟ أم أعزي نفسي وأتقبل العزاء في فقده ، فهو أب الجميع ، رحمك الله يا شعاع نور مسجد حارتنا .
أسأل الله لك الرحمة الواسعة وأن يثبتك عند السؤال ، وأن يكون مثواك الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء ، وأن يصبرنا ويصبر أهلك وذويك على فقدك .
إنا لله وإنا إليه راجعون .



