وما الفقدُ إلا بترٌ في الروح

طاهرة الشامسية
بتر لا يلتئمُ أبداً، ثقبٌ خفيٌّ في أعماقِنا، ينزفُ بلا صوت، لا يراهُ أحد، ولا يشعرُ بهِ سوانا. هو تلك اللحظة التي يتجمّدُ فيها الزمن، حين تُدرك أن ما كان جزءً منك قد غاب، وأن الحياة بعده لا تُشبه الحياة قبله.
تمضي الأيامُ بعد الفقد، لكن شيئًا فيكَ لا يتحرّك، كأنّك تركتَ نصفك هناك، في مكانٍ لا تصلُ إليه الخطى، ولا تصله الذاكرة إلا بخفقٍ موجع.
إنه ذلك الوجعُ الصامت الذي لا يُرى، لكنه ينهشُ القلبَ كلّ يومٍ من جديد، كأن الزمن لا يريد أن يمضي دون أن يُذكّرنا بمن رحل. الفقد ليس مجرد غيابٍ للجسد، بل هو انطفاءُ ضوءٍ كان يُشعل فينا المعنى، هو فراغٌ يعبثُ بالذاكرة، يجعلنا نعيد ترتيب الأيام فلا نجد مكاناً يليق بمن رحل.
تتظاهرُ بالقوة، تضحكُ حين يضحكُ الآخرون، وتعيشُ كما لو أنّك بخير، لكن في داخلك نحيبٌ مكتوم، وصدى لإسمٍ لا يُنادى، وصورةٌ لا تغادرُ ممرات الذاكرة.
الفقدُ لا يُعلّمنا النسيان، بل يُدرّبنا على التعايش مع الغياب، على تقبّل الصمت مكان الصوت، والظلّ مكان الحضور.
وكلّما مرّ الوقت، لا يلتئمُ الجرح كما يقولون، بل يتعمّقُ أكثر، يزدهرُ وجعه في الليالي الطويلة، ويُذكّرك بأن الأرواح لا تُشفى من الذين أحبتهم حقًّا.
كم هو قاسٍ أن تستيقظ على الحياة ولا تجد مَن كانت الحياة تبدأ بابتسامته، أن تمضي في الطرقات التي كنتم تسلكونها معاً فتشعر بأنّ الأرض تغيّرت، بأنّ كل شيءٍ فقد لونه وصوته ودفئه. الفقدُ يُعلّمنا أن الزمنَ لا يُداوي، بل يُخدّر، وأن الجرحَ لا يُغلق، بل يُخفي نفسه تحت ملامحٍ من الصبر والاعتياد.
يا لوجعِ الفقد، كم يُغيّرنا من الداخل، يجعلنا نرى الأشياء بعيونٍ أخرى، ويجعلُ منّا أناسًا هادئين على السطح، لكن بقلوبٍ تهدرُ في الخفاء.
وما الفقدُ إلا بترٌ في الروح… لا يلتئم أبداً، لكنّنا نعيشُ به، كما يعيشُ الجسدُ بجرحه، نحملهُ معنا كعلامةٍ أبدية، كوشمٍ من وجعٍ لا يُمحى.
الفقدُ لا يُنسى… هو يقيم فينا كندبةٍ أبدية، تُذكّرنا أن بعض الغياب يُشبه الموت، وبعض الموت لا يُشبه الغياب. وأن الأرواح حين تُبتر، لا تنمو من جديد، بل تتعلّم فقط كيف تتألم بصمتٍ أنيق.



