بعثرة السكون
خلفان بن علي بن خميس الرواحي
قد يكون السكون الأمر الذي يبحث عنه الكثير ولا يجدونه، وللوصول إليه فكل شخص يستخدم الطريقة التي يجدها المثلى لذلك، فهناك من يجد السكون في ركن منزو على شرفة مقهى مطل على حديقة خضراء بمظهرها الزاهي بالأزهار التي تفترش على أرضها أو نافذة تطل على ساحل البحر وفي يده كوب القهوة يخاطبه ويشكو له همومه ويظل هكذا لساعات لا يتحدث لأحد إلا مع نفسه وذلك الكوب الذي عادة لا يشرب منه رشفة ويكتفي بإخراج ما بداخله له، ليصل إلى السكون المنشود.
وشخص آخر يبحث عن السكون مع مقطع موسيقى أو أغنية لمطربه المفضل فتجده ينصت إليه ويتفاعل معه وربما ليس كل الأغاني التي يصدح بها ذلك الفنان تبعث بداخله السكون وإنما أغنية بعينها أو مقطوعة محددة، فلا يمل من تكرارها عشرات المرات للوصول إلى الغاية التي ينشدها وهي السكون.
ومن يجوب الطرقات بسارته لا يشاركه أحد في تلك الرحلة فتجده يتنقل بها من مكان للآخر بدون هدف إلا البحث عن الانعزال عن البشر ليظل فقط مع ذاته ومقود السيارة يراقب من خلال نوافذها كل ما تلتقطه عيناه من مناظر ومشاهد، السيارات باختلافها والمارة جميعهم وأحيانا تجده يرفع صوته في وجه مار أمامه أو سيارة وقفت فجأة ليس الهدف أن يسمعه ذلك المار أو صاحب تلك السيارة وإنما الغاية أن يخرج ما في داخله من اضطراب حتى يصل إلى السكون.
ويأتي شخص آخر باحثا عن السكون، يقوم بجولة في حديقة يقضي ساعات طويلة وهو يمشي في جنباتها يشده اللون الأخضر والألوان المتداخلة في الأشجار المتناثرة في كل جانب مع الروائح الطيبة التي تبعثها وخاصة الورود بأنواعها المتباينة، كما أن صرخات الأطفال في أماكن لعبهم مع توجيهات الأمهات وحذرهن من أن يصاب أحدهم بأذى وتأملاته العميقة في كل هذا يبعث فيه السكون.
وفي زاوية المسجد هناك رجل آخر أختلف عن الجميع يبحث عن السكون مع ربه من خلال أداء الصلاة وتلاوة القرآن حتى يطمئن قلبه ويرتاح بالأنس بجوار ربه لذا يقضي وقتا لا يحسبه في تلك المناجاة فهو لا يلبث يخرج من المسجد حتى يعود إليه، يجد المتعة كل المتعة في صلاته وقراءة ورده اليومي وانتظار الصلاة، وهذا هو الذي يصل به إلى السكون النفسي والروحي.
في النهاية يصل الجميع إلى السكون وما أن يصلوا إليه، لا يلبثون إلا ويدركون أنهم كانوا في بحث عن أمر ليس واقعيا، فالحياة منذ خلقها الله تعالى ليست ثابتة ولا ساكنة، ولكنها متحركة، كل شيء في الكون متحرك، وأن ثبت لحظات يعود إلى طبيعته التي خُلق عليها إلا وهي الحركة.
لهذا نجد الإنسان بعد بحثه عن السكون يرغب في بعثرته والرجوع إلى الصخب الذي كان به، فشارب القهوة يتناول الفنجان بعد أن كان مستقرًا على الطاولة ويرتشف رشفته الأولى، فيجد ذلك الطعم الحلو في البداية ثم يواصل مستمتعا وقبل أن ينهي كوبه تلسعه المرارة في جوف فيه، هنا يدرك أن الحياة بها الحلو والمر وأيضا يعترف أن السكون لابد أن تعقبه الحركة والعكس لذا يضع الكوب ويخرج سعيدًا بما هو عليه ويبدأ مرحلة من السكون بعد اقتناعه السابق.
أولئك الأشخاص الذي يجدون السكون في التجوال بالسيارة أو على الأقدام دون الحديث مع الآخرين في لحظة يدركون أنهم يعيشون في مجتمع يؤثر في الفرد وهو بدوره يؤثر فيه، فمجرد أن يبدأ في الاندماج مع الآخرين سيجد نفسه قد سكنت واطمأنت هنا سوف يدرك أن السكون الذي كان ينشده ليس بالبعد عن بني جنسه وإنما الواقع بأن يذوب في المجتمع الذي يعيش به يشارك في أفراحه وأتراحه بعدها سوف يشغل باله بأمور مهمة تؤدي به دون تخطيط إلى السكون.
وذلك العابد العاكف في المسجد، يكتشف شيئا كان يجهله، وإن كان حقق السكون والراحة في المسجد وهذا أمر مسلم به ولكنه اكتشف أن هناك أمور أخرى قد تجاهلها تحقق له نفس ذلك السكون خارج المسجد أولها البر إلى والديه وصلة الرحم والإكثار من الصدقة وأعمال الخير، تفريجك كربة من كرب الدنيا يفرج بها الله تعالى عنك كربة من كرب يوم القيامة، أعمال صغيرة لا تكلف الكثير ولكن تحقق السكون في النفس لذا لابد أن يحرص الإنسان إن يكون هناك أمرا سريا بينه وبين ربه، ذلك الأمر قد يكون هو سلم النجاة في يوم الآخرة بعدها، كذلك سيجمع بين السكون خارج المسجد وداخله ويصل مرحلة الراحة التي كان يبحث عنها والسكون الذي ظل ينشده.
من هنا ندرك بأن حياة الإنسان لابد أن تكون خليطا من السكون والحركة وإذا طغى جانب من الجانبين على الآخر تأثر سلبا، فلابد من الموازنة بينهما لا إفراط ولا تفريط حتى تجد لذة الحياة، فالحياة الرتيبة التي تسير على منحنى واحد لا تحقق السعادة عادة.



