على قارعة الشتاء
ثاني بن مبارك الحبسي
لهيبٌ حارق، وصفيحٌ مُلتهب
وشعورٌ قد بلغ ذروته
سَئِمَتهُ النفس فلم يُطقهُ الجسد
ذلك هو لهيب الصيف
تبادر إلى ذهني أن أنزوي بعيداً
في طريقٍ يخلو من المارّة
لأحظى بمكانٍ لي هناك
مُسنِداً ظهري على بقايا جذع نخلة
قد أيبَسَتهُ صروف الدهر
فغدا خالياً من آثار الحياة
مُلقياً بناظري إلى ذلك الأفق البعيد
إلى حيث تنكسر أشعة الشمس
معلنةً رحيلها في غروبٍ صامت
وبهمسٍ أُحدّثُ نفسي
وأمنّيها بقدوم شتاءٍ جديد
ليس حُباً للشتاء
ولا حنيناً لصقيعهِ القارس
ولا شوقاً لطبعهِ الجاف
ولا استئناساً بألوانهِ القاتمة
وإنما هرباً من صفيح صيفٍ مُلتهب
وفراراً من كَتمَة جدرانه التي تحبس الأنفاس
قريباً سيحل الشتاء
فبوادرهُ تتراءى لي من بعيد
وسيبقى كل شيءٍ في سكون
تجنُّباً لبردهِ القارس، وصقيعهِ المُرجف
حيث لا ملاذ
سوى المِعطف والمدفأة
ونبقى في تقلبٍ مع الفصول
في تيهٍ بين صيفٍ وشتاء
وحيرةٍ بين لهيبٍ وصقيع
فلم يطرق الصيف أبواب شغفنا
ولم يلامس الشتاء سقف طموحنا
وكلاهما لم يُعانق حماسنا المتأجج
فنعود من جديد
إلى حيث البداية والانتظار
فيُبطؤنا الوقت، وتثقِلُنا الساعات
في دوامةٍ لا تنتهي
إنتظارُ شتاءٍ، وترقّبُ صيف
فتذوب آمالنا مع لهيب الصيف
وتتجمَّد أحلامنا مع صقيع الشتاء
