أيامٌ معدوداتٌ (٢)
ثريا بنت علي الربيعية
رمضان موسمٌ يزهرُ بالطاعات والقربات، شهرٌ تُروى فيه الروح وتتجدد فيه العزيمة. كنّا بالأمس نترقّب وصوله، واليوم تتسارع بنا الخُطى لنصل إلى منتصف الشهر، فما أجملها من ليالٍ! وما أطيبُ قُربة الأهل والأقرباء واجتماعهم على موائد الإفطار، وصلةِ الرحم والزياراتِ الودية بين الأصحاب. فكم تتنزلُ في تلك اللحظات من نفحات الخير والبركات، وكم تلتئمُ القلوب بدفء العائلة وعفوية المواقف، لاسيما مع انتشار هذه التجمعات بين أهالي المنطقة وبعض الأحياء المتجاورة للإفطار في ساحات المساجد أو المجالس العامة في القرى؛ إذ أصبحت ظاهرةً اجتماعيةً امتدادًا لما أُثر من العادات العمانية المتجذرة وصنيع الأجداد. فهذه العادات حتمًا تُلقي بظلالها الإيجابية ولمساتها العميقة على لُحمة المجتمع وتماسكه، كما تُدرّب الناشئة على التكافل والألفة في صورة عملية تُجسّد معنى الجماعة واليد الواحدة بينهم.
من زاويةٍ أخرى، نرى المفارقة فيما يُسمّى بـ(الغبقات الرمضانية) التي بدأنا نلحظ انتشارها في مجتمعاتنا العربية؛ كعادةٍ قديمةٍ في أصلها في بعض دول الخليج، حيث كان الأهل يجتمعون بعد صلاة التراويح لتبادل الحديث وتناول الأطعمة البسيطة بشكلٍ عفوي يحمل معاني التلاقي الأسري والألفة. بيدَ أن اللافت هو هذا التحول في مفهوم الغبقات في الآونة الأخيرة، الذي جعلها أشبه بالمناسبات الاستعراضية، مع تصوير الموائد المترفة ونشرها نوعًا من التباهي في وسائل التواصل الاجتماعي، وقد يصاحب ذلك تزيينٌ مبالغٌ فيه يتجاوز الحد المعقول. وفي هذه الحال انحرفت مضمونًا عن الاتزان الاجتماعي والاقتصادي إلى حدّ المغالاة والإسراف والتكلّف، وبالتأكيد صارت بعيدةً عن مقصد الإحساس بجوع وهمّ إخواننا المستضعفين ممن ضاقت بهم السبل فقرًا، فضلًا عن الشعور بحاجة المتعفف الذي أوجب علينا الإسلام معونته والإحسان إليه، كما قال الله تعالى في مُحكم كتابه: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.
في أصل الحقيقة، نحتاج إلى مراجعةٍ ذاتيةٍ مع أنفسنا في الاعتدال في مؤونة الشهر الفضيل، وتصحيح النظرة الخاطئة عند التسوق في أساسيات المأكل والمشرب؛ لتكون بدافع الاستهلاك الفعلي لا بدافع العادة أو مساحةً للتظاهر. فرمضان شهر تزكية القلوب قبل امتلاء الموائد، وليس من الإنصاف أن نبالغ في الكماليات فنعدّ أصنافًا من الأطعمة يكون مصيرها الرمي وعدم الانتفاع بها. فإن يسّر الله علينا من الطيبات، فلندرك أن في الطرف الآخر فقراء ومساكين ذوي حاجة، لعلّهم من أهل القرية أو الجيران الأقربين، فالواجب النظر إليهم وتعهدهم بعين الرحمة بما يخفف معاناتهم. وفي الواقع، لو تصدقنا باليسير من هذه الموائد لسُدّت حاجة الكثير من الأسر الفقيرة المتعففة التي كانت أولى بها، كما قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
خلاصة القول: ما أجمل أن تبقى موائدنا عامرة بروح المحبة والتكافل، بسيطة المظهر، عميقة المعنى، تُقرّب البعيد وتجبُر المحتاج. وليس المقصد إلغاء هذه التجمعات الرمضانية، وإنما ضبطها وتوجيهها بما يتوافق مع بساطة العادات وأصالتها. ولنجعل أيامنا المتبقية من هذا الشهر فرصةً لترتيب الأولويات، واستحضار شكر النعم وأداء حقها؛ ليكتمل المفهوم الذي يعيد المعنى الحقيقي للشهر الفضيل في بيوتنا وتجمعاتنا.



