الظلم ..
فهد بن عبدالله السعدي
الحياة رحلة مليئة بالمواقف والتحديات التي لا يمكن حصرها، وفي كل يوم نتعرض لتجارب مختلفة مع أشخاص تتباين طباعهم ومشاعرهم. نجد البعض يقدّم لنا المحبة والإخلاص، فيما قد يترك البعض الآخر في نفوسنا جراحًا بسبب الظلم، ذلك الشعور القاسي الذي يصعب محوه من الذاكرة.
فالظلم ليس مجرد مسألة عابرة، بل تجربة تضرب أعماق النفس، حيث تمس الكرامة وتجعل الإنسان يتساءل عن مفهوم العدالة بين البشر وعلى الرغم من الاعتقاد بأن الظلم يقتصر على الأحداث الكبرى، إلا أنه يتسلل إلى التفاصيل الدقيقة دون أن نلحظه.
قد يبدأ الظلم بلحظة استخفاف بشخص ما أو جرح برأيي غير مدروس، وربما باتهام باطل لا يستند إلى أي دليل وأحيانًا يحدث عبر عدم تقدير جهود الآخرين أو حرمانهم من مستحقاتهم، وغالبًا ما تتحول هذه التجارب الصغيرة بمرور الوقت إلى أعباء ثقيلة على الروح فكلمة قيلت على وجه انفعال قد تترك أثرًا عميقًا لسنوات طويلة، أو إغفال ملحوظ يؤدي إلى ألم خفي يُلازم الإنسان طوال حياته ومع أن الإحساس بالظلم يولد مشاعر الغضب والاستياء، فإنه يكشف في المقابل الوجه الآخر للحياه الا وهو فضيلة التسامح.
هذه الفضيلة ليست ضعفًا بل قوة عظيمة تمنح صاحبها السكينة والقدرة على تجاوز الآلام. التسامح ليس كلمة تقال بل هو فعل يجسد شجاعة داخل الإنسان وثقة كبيرة في أن العدالة ستأخذ مجراها مع مرور الأيام.
إنه خيار يحتاج إلى نضج داخلي وتسامٍ عن الأحقاد, كم من المواقف التي سمعنا فيها عن أشخاص تعرضوا للظلم في حياتهم المهنية أو الشخصية و ربما موظف متميز رأى مجهوده يذهب سدى، أو آخر حُرم ترقية مستحقة لصالح أقل كفاءة منه، مما تركه في حالة من الإحباط والغضب. في هذه اللحظات يقف الإنسان في مفترق طرق بين الغرق في المشاعر السلبية أو تحويلها إلى دافع للنجاح.
هناك أشخاص يغادرون الحياة المهنية لأنهم لم يحتملوا الجرح الذي تَركه الظلم، فيما يقرر آخرون الاستمرار، واضعين كل طاقاتهم كي يثبتوا قيمتهم الحقيقية، وهناك يجدون السلوى في التسامح. التأثير العميق للظلم لا يقتصر على مكان العمل فقط؛ بل يمتد إلى العلاقات الاجتماعية والأسرية. فكم مرة نشهد جروحًا تنشأ بسبب كلمة غير مدروسة من قريب أو مقارنة ظالمة تُضعف الثقة بالنفس! ومع ذلك، يبقى التسامح حبل النجاة الوحيد الذي يعيد المياه إلى مجاريها.
المسامحة تفتح المجال للقلوب المجروحة كي تلتئم على مهل وترفع ألم الماضي أثقاله. قد يبدو التسامح لبعضهم أمرًا مستحيلًا عندما تكون الجروح غائرة، لكن فهم معناه الحقيقي يسهل الطريق إليه. التسامح لا يعني التغاضي عن الخطأ أو قبوله بلا تفكير، بل هو قرار بالتحرر من قيود الألم الماضي. إنه دليل قوة نابعة من الداخل، ورغبة في المُضي قدمًا دون الانكفاء على ذكرى الأسباب المؤلمة.
الحقيقة أن العلاقات الإنسانية بطبيعتها معرضة للتحديات وسوء الفهم ومن دون استعداد حقيقي للتسامح، سنخسر الكثير من الأشخاص الذين نحبهم ويحبوننا بسبب زلات أو سوء تفاهم يمكن تجاوزه.
التسامح يجعلنا أكبر من ضغائننا، ويمنحنا فرصة لصناعة روابط أكثر قوة وعمقًا. ورغم قيمة التسامح الكبيرة، فإن له حدودًا لا بد من مراعاتها. فلا يجب أن يتحوّل إلى وسيلة لتبرير الظلم أو دعوة إلى التغاضي عن حقوق مشروعة. ففي كثير من الأحيان يكون المطالبة بالحقوق ضرورة لتحقيق الإنصاف، لكن دون أن ينزلق الإنسان نحو الانتقام أو الكراهية. المطالبة بالحق تسير جنبًا إلى جنب مع الحفاظ على النزاهة والرقي الإنساني. وعلى مدار الحياة نقف في مفترق طُرق بين الرد على الظلم أو تجاوزه بالتجاهل. يذكّرنا الحكماء أن الصمت أحيانًا يحمل رسالة أبلغ من الكلام، وأن ضبط النفس يكون الخيار الأنسب عندما يكون الطرف الآخر فاقدًا لقدرة الاستماع أو التفاهم و صَدقَ كلام الله تعالى في سورة الشورى حيث قال [ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ] .



