رَســائـِـل فُـــؤَاد _ ج١٩ _ في الحَـياة قِصَصٌ تُعلّمنا
فؤاد آلبوسعيدي
..بعضُ القصص التي نعبرها في حياتنا لا تنتمي إلى السّرد، بل إلى الوعي؛ فهي لا تطلب أن يُحكى عنها، بل تطلب أن نفهمها ونعي ما فيها من دروسٍ وعِبَر. بعضها يمرّ بنا ليعيد ترتيب علاقتنا بالزّمن والأشخاص، وكذلك بالأماكن التي وقعت فيها أحداثها، فتجعلنا نعيد النّظر في ما حسبناه ثوابتَ لا تتغيّر مهما حصل، ونشكّ في كلّ ما ظننّاه واعتبرناه من اللانهائيّات والمُخلّدات.
..يُحكى أنّه في إحدى المُدُنِ المتحضّرة والحديثة توقّفت الأمطار الغزيرة بعد ليلةٍ موحشةٍ غاب عنها القمر، وكانت ليلةً غائمةً بكثافة سُحبها القاتمة. كانت أصوات الرياح تعزف لحن الوحدة على نوافذ المدينة الفارغة. لقد كان الصّمت بعد العاصفة يحمل في طيّاته شيئًا أكثر من غياب المطر؛ كان شيئًا يهمس في صدور النّاس بأنّ كلّ نهاية ليست سوى بدايةٍ جديدة للنّظر والتفكّر والاكتشاف. لقد تحدّث عن تلك اللّحظات المُرهِبة جميعُ من عاصرها وشهد وقائعها من شدّة هول ما رأوا؛ فمنهم من قال إنّها كانت ليلةً بارقةً راعدةً ومُخيفةً جدًّا، ووصفوها باللّيلة الباعثة للذّعر، المُسبّبة لرجفان القلوب وفقدان رجاحة العقول.
لقد أشعر هولُ الحدث الجميعَ بطول دُجى اللّيل، فشعر الكبير والصغير أثناء تلك اللّحظات بالتوتّر، وبأنّ انجلاء ما حصل ليس قريبًا، لما حملته تلك العاصفة الهوجاء الشديدة من غزارة أمطار أسقطت الشّجر، ودمّرت البساتين، وهدمت وكسّرت الكثير من روائع العمارة الحديثة والبنيان الممتدّ في تلك المدينة العامرة الباهية. توقّفت العاصفة صباحًا، فأظهرت بعد سكونها ما كانت تُخفيه المدينة عن أعين قاطنيها الأثرياء وضيوفها السّاكنين في مبانيها العالية؛ كشفت خفايا الضّواحي الفقيرة والمتهالكة الكائنة في أطرافها وزواياها النائية التي لم يكن يهتمّ بها أحد، لا سُكّانًا ولا زُوّارًا.
..للأسف، إنّ ما حدث في قصّة تلك المدينة هو ذات الأمر الذي قد تراه وتسمعه، وربّما تعيشه، عندما تختفي عاصفة النّقاشات الشديدة وتنجلي حرارة المناوشات الحادّة بين النّاس الذين ربّما كانوا يومًا ما في قمّة القُرب روحيًّا، أو كانوا قبل لحظاتٍ يسيرة في علاقة وُدٍّ وحبٍّ أو صداقةٍ أو زمالةٍ أو حتّى جيرةٍ منذ سنين عديدة. نعم، فكلمةٌ مفاجئةٌ واحدة، ربّما تكون من غير قصد، قد تصبح الشّرارة التي تكشف لك الجانب الآخر الذي لم تكن تراه في قلوب ومشاعر الآخرين.
..في بعض القِصَص ستسقط أقنعة البعض عندما تنتهي حدّة النّقاشات وتنفضّ حلبة المنازعات، حتّى مع عدم وجود تعاركٍ جسديّ بين الأضداد؛ إذ قد ينقشع الضّباب الذي يُرينا ما كان خافيًا متواريًا من مشاعر الآخرين. للأسف، عندما يهدأ النّقاش الذي يجريه البعض مع أحد الآخرين، قد نرى سقوط غمامة حُسن الودّ وحبل الألفة وطيب الظّن، لنكتشف كم أنّ أنياب ذلك الذي كنّا نراه حمَلًا وديعًا قد أصبحت حادّةً جدًّا، حتى تكاد ترى انعكاس وجهك فيها من شدّة لمعانها.
..ومن الجميل أن تُعلّمنا بعض القِصَص أنّ ما يحدث لنا يمنحنا حكمةً تقودنا وتوجّه مساراتنا بعد ما يصيبنا من أمورٍ مختلفة. ومن روائع الحِكم التي نتعلّمها أنّ بعض العلاقات بين النّاس تشبه الزّجاج المكسور؛ يصعب إصلاحها بعد كسرها. وللأسف، قد نفهم متأخّرين أنّه بعد كلّ خصومةٍ كبيرة، إن لم تحدث أمورٌ تُشبه المعجزة، فإنّ إصلاح الظّروف السّيئة التي عصفت بنا يحتاج إلى كثيرٍ من الاجتهاد والمزيد من الوقت، وقتٍ قد يستنزف صحّتنا وتفكيرنا وعواطفنا ومشاعرنا.
للأسف، في بعض القِصَص قد تصل نهاية الخصام إلى أبواب المحاكم، أو إلى الوقوف أمام المُصلحين من أهل الخير والحُكماء، وربّما أمام قضاة الصّلح ولجان التّوفيق بين النّاس. قد تنجح محاولات الصّلح أمام أعين الجميع، لكن قد لا تنتهي مشاعر الحقد والبُغض والضّغينة التي يحملها أحد الخصمين تجاه الآخر. وقد يزداد لمعان الأنياب، وتظهر المخالب الخفيّة، وعندها فقط يأتي الإدراك بأنّ القلوب التي ظننّاها قد التأمت لم تصفُ بعد كما كنّا نأمل، بل قد يُصيبنا الذّهول حين نكتشف نوايا أحد المتخاصمين قبل أن تبدأ جلسات الصّلح، حتّى وإن تصافحت الأيادي.
ختامًا.. عند بعض الحدود في حياتنا يغدو الألم احتمالًا معرفيًّا لا مجرّد تجربةٍ عابرة، وتتحوّل العتمة من نقيضٍ للنّور إلى شرطٍ لإدراكه. سنعي يومًا ما أنّ الخسارة الحقّة لا تُختزل في الفُقدان، بل في سوء التّعامل مع الأحياء بيننا. وسندرك أنّ التّجربة الحقيقيّة في الحياة لا تُقاس بما تخلّفه من وجع، بل بما تفتحه من أفقٍ للفهم واتّساعٍ في الرّؤية والمدارك.
وهكذا لا تنتهي القصص عند خواتيمها، بل تبدأ حيث يتغيّر وعينا، ويُعاد تعريف الإنسان في داخلنا؛ لا بما نمرّ به، بل بما ندركه بعد المرور ببعض أحداث حياتنا.



