الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

حين يرحل الجسد ويبقى الأثر

    محمد بن سعيد العلوي

في عالم سريع التغيّر، تتقلب فيه المراتب وتتبدل فيه الوجوه، يبقى العمل الصالح هو الرصيد الحقيقي الذي يحمله الإنسان من الدنيا إلى الآخرة .. قد يُنسى المرء بين الناس، وقد يطويه الغياب أو الرحيل، لكن أثره الطيب يبقى شاهدًا عليه، وصدقه يرافقه، وخيره يسبقه.

لقد جعل الله تعالى العمل الصالح من أعظم القربات، فقال عزّ وجل:

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]

آية تؤكد أن أصغر الخير محفوظ، وأن النية الصادقة ترفع شأن صاحبها، حتى وإن لم يره أحد من البشر.

وقال سبحانه:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [يونس: 26]

أي أجر دائم لا ينقطع، بل يزداد ويثمر، ويظلّ باقياً بعد وفاة صاحبه.

كما ثبت عن الرسول ﷺ في الحديث المتواتر:

«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

فهذه الثلاثة هي ما يبقى للإنسان بعد رحيله، حين لا مال يُصرف، ولا جاه يُستند إليه، ولا صديق يُنقذه.

قيمتك الحقيقية أمام الله

ليس المعيار فيما يراه الناس منك، بل فيما يراه الله.

كم من إنسان مجهول في الأرض، عظيم عند السماء؟

كم من قلب لم يلمسه الإعلام، ولم تضيئه منصات التواصل، لكنه يضيء دروب المحتاجين، ويحنو على الضعفاء، ويصلح بين القلوب، ويزرع الخير بصمت؟

هؤلاء هم أصحاب الأثر الحقيقي.

لا يبحثون عن ثناء، ولا يطلبون شهرة، بل يعملون لله وحده، فيرفعهم الله وحده.

أمثلة لأعمال لا تموت… تبقى حياة بعد أصحابها

رجلٌ حفر بئرًا في قرية عطشى، لم يُعرف اسمه، ولم تُعلّق له لافتة، لكن الماء الذي ينزل اليوم يروي الأرواح، ويكتب له حسنة في كل قطرة.

أمّ تعلم أبنائها القرآن كل مساء، رحلت، لكن صوتها ما زال يقرّ في تلاوات أبنائها، وكل آية يقرؤونها حسنة جارية لها ولو كانت تحت التراب.

موظف بسيط بوجه مبتسم، يقضي حاجات الناس بلطف، ويخفف عنهم، ولم يكن يعلم أن دعوة صادقة من أحدهم ستكون سببًا في رفع البلاء عنه وتيسير أمره.

رجل ساهم في بناء مسجد بحجر واحد فقط، لم يُذكر اسمه، لكن الملائكة كتبوا له كل سجدة، وكل ركعة، وكل دعاء خرج من قلب مصلٍ لا يعرفه.

هذه الأعمال ليست قصصًا بعيدة… بل هي وجوه مجهولة في الأرض، عظيمة عند الله، رحل أصحابها وبقيت آثارهم تمشي عنهم وتشفع لهم.

لا تستصغر معروفًا

قال النبي ﷺ:

«لا تحقرن من المعروف شيئًا»

مهما كان صغيرًا في عينك، فهو كبير عند الله إذا صلحت النية.

ابتسامة، كلمة طيبة، صدقة سر، إصلاح بين قريبين، أو إزالة أذى عن الطريق… كلها أعمال قد تكون مفتاحًا للرحمة وسبيلًا للفرج.

اصنع لنفسك رصيدًا قبل أن تحتاجه

تمرّ بنا الأيام بالشدائد والمحن، ونجد أنفسنا أحيانًا بلا سند إلا توفيق الله.

والتوفيق لا يُعطى إلا لمن كانت خطواته في الدنيا إلى الخير، وعلاقته بالناس مبنية على الرحمة، وأثره طيبًا.

اصنع لنفسك رصيدًا من العمل الصالح يرافقك بعد رحيلك، يشفع لك، يمهّد لك الطريق، ويجعل أيامك مباركة وساعاتك معمورة بالنور.

العمل الصالح ليس مجرد فعل عابر، بل حياة تُكتب للإنسان بعد وفاته.

ازرع الخير، امنح بلا حساب، وابذل ما استطعت… فالخير لا يرجع خائبًا، بل يعود نورًا وطمأنينة ورحمة.

واجعل بينك وبين الله عملًا خالصًا… فهو وحده الذي لا ينسى.

غفر الله لنا ولكم ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights