الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

خرافة الأمان الوظيفي : الطمأنينة التي تُطفئ المستقبل

  غزلان بنت علي البلوشية 

 يتداول الجميع عبارة الأمان الوظيفي في بيئة الأعمال في المؤسسات، وكأنها مظلّة سحرية تحمي الموظف من كل تغيير. تبدو الكلمة لامعة، مطمئنة، تُشعر الموظف أن الطريق أمامه ثابت ولا يحمل أي مفاجآت. لكن حين نزيح الغطاء قليلًا، نكتشف أن هذا الشعور الجميل ليس سوى طبقة رقيقة تخفي تحتها حقائق قاسية لا تُقال. فالأمان الوظيفي ليس وعدًا بالمستقبل، بل مجرد انطباع مؤقت يصمد ما دامت الظروف لطيفة والسوق مستقرًا.

والحقيقة التي يتجاهلها الكثيرون هي أن المؤسسات تتغيّر، والأدوار يعاد تشكيلها، والمتطلبات تتبدل بسرعة لا ترحم. عندها تظهر الصدمة: الأمان الذي اعتمد عليه البعض لم يكن إلا عباءة ناعمة لا تمنع الرياح حين تعصف. الأمان الحقيقي لا تمنحه وظيفة، بل يصنعه الإنسان بمهاراته، بمرونته، وبقدرته على النجاة والتقدم حتى عندما تتغير الأبواب التي يدخل منها كل صباح.

الحقيقة التي لا يحبّ الكثير مواجهتها هي أن الأمان الوظيفي مجرد شعور نفسي، لا عقد ولا ضمان ولا خطّ أحمر يمنع التغيير. يتكوّن هذا الشعور من كلمات المدير، ومن هدوء المؤسسة، ومن رتابة الأيام التي تُشعر الموظف أن الأمور ثابتة. لكن الواقع الإداري يثبت أن الاستقرار ليس إلا حالة مؤقتة، وأن السوق يتقلب، والتكنولوجيا تسبق الجميع، والأدوار يعاد تشكيلها بين ليلة وضحاها. وبينما تنقلب المؤسسات لإعادة هيكلة منظومتها، يبقى الموظف الذي ركن إلى هذا الوهم هو الأكثر عرضة للصدمة، لأنه اعتقد أن الأمان حق مكتسب لا تهزه الرياح.

ومع كل هذا الحراك، تظهر المفارقة الكبرى: فالأمان الذي نتمسك به لا ينهار لأنه مزيّف، بل لأنه هش ومبني على الخارج لا على الداخل. الموظف الذي يعلّق حياته على كرسي واحد يكتشف أنه قد يصبح على الهامش في لحظة، ليس تقصيرًا منه، بل لأن القيمة تغيّرت، ولأن العالم يطلب مهارات جديدة كل يوم. والمؤسسات التي ترفع شعار “الأمان الوظيفي” قد تخفي وراءه فوضى داخلية أو خوفًا من الاعتراف بالضعف، فتستخدمه كمهرب لا كحقيقة. وهكذا يتحول الأمان إلى مخدّر يطفئ الإبداع ويقود الموظف إلى خمول مهني، بينما النجاة الحقيقية ليست في الاستقرار، بل في الإنسان نفسه: في قدرته على التعلم، وعلى النهوض، وعلى أن يبقى حاضرًا مهما تغيرت الكراسي من حوله.

وفي النهاية، يتضح أن أكبر الأخطاء التي يقع فيها الكثيرون هي رهن مستقبلهم لكرسي واحد، ووضع مصيرهم في يد مؤسسة قد تتغير توجهاتها بين ليلة وأخرى. الاعتماد الكامل على الوظيفة يشبه الوقوف على أرض تبدو ثابتة لكنها تتحرك ببطء تحت قدميك، ومع أول هزة تفقد توازنك. أما الإنسان الذي يصنع أمانه بنفسه فلا يخشى التغيرات؛ لأنه يحمل معه ما هو أثمن من عقد وظيفي… يحمل مهاراته، وصوته المهني، ومرونته، وقدرته على أن يصنع بابًا جديدًا حتى لو أُغلقت الأبواب كلها. هذا النوع من الأمان لا تمنحه مؤسسة، ولا يسقط بقرار إداري، لأنه أمان مبني على الإنسان نفسه، على وعيه، على اجتهاده، وعلى قيمته التي لا يمكن سلبها منه مهما تغيّر العالم من حوله.

لا تنتظر من مؤسسة أن تمنحك طمأنينة قد تسقط مع أول تغيير؛ اصنع أنت أمانك المهني بمهاراتك التي لا يملكها سواك. لا تثق في كرسي يمكن استبداله، بل ثق في قيمتك التي تفرض وجودك أينما ذهبت. ولا تبحث عن وظيفة تعدك بالبقاء… ابحث عن قوة داخلك تجعل سقوط الوظائف مجرد محطة، وبقاءك حقيقة لا يمكن تجاهلها.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights