الأحد: 15 مارس 2026م - العدد رقم 2855
مقالات صحفية

(شريش) في عالم إدارة الأعمال : الوجه الآخر للفشل المؤسسي

غزلان بنت علي البلوشية

في قاموس المجتمع، كلمة “شريش” تُطلق على الشخص الذي ينقل معلومة خاطئة، أو يزيد وينقص في الحقائق، أو يتحدث عن شيء لا يعرفه بثقة غريبة.
لكن في عالم إدارة الأعمال وتطوير المشاريع… “الشريش” ليس مجرد شخص، بل ظاهرة خطيرة تضرب المؤسسات من الداخل.
هو الموظف، أو المدير، أو الشريك، أو حتى صاحب المشروع… الذي يبني قراراته على كلام غير موثّق، وينقل تقارير من دون تحقق، ويتحدث عن خبرات لا يمتلكها، ويقدّم وعودًا بلا تنفيذ.
وفي الشركات، هذا النوع من الأشخاص لا يُسبب الإحراج فقط… بل يسبب خسائر مالية، قرارات خاطئة، وفشل مشاريع.

في مناخ العمل، يظهر “الشريش” حيث تتحوّل المعلومة من رسالة واضحة إلى همسٍ مجهول المصدر، يركض بين المكاتب أسرع من أي بريد رسمي. إنه ذاك الصوت الذي يبدأ بـ: قالوا… سمعت… وصلني خبر…ويؤثر في القرارات أكثر مما تفعل التقارير. هذا النوع من الشائعات لا يربك الإدارة فقط، بل يخلق شعورًا داخليًا بعدم الأمان، وكأن الفريق يسير في مساحة ضبابية لا يرى فيها الحقيقة كاملة. والنتيجة؟ سوء فهم بين الأقسام، تقديرات خاطئة، وخطوات تُبنى على أساس هشّ. أشدّ ما يؤلم في “شريش المعلومات” أنه لا يكتفي بإرباك العمل، بل يسرق من الروح المهنية ثقتها. ففي الإدارة، المعلومة غير الصحيحة أخطر بكثير من غياب المعلومة، لأنها توهمك بأنك تعرف… بينما الواقع أنك تبتعد عن الحقيقة خطوة بعد خطوة.

شريش الإنجازات هو أخطر أنواع الوهم في بيئة العمل، لأنه لا يكتفي بإخفاء الحقيقة… بل يختلق إنجازًا لم يولد أصلًا. يقول تمّ إنجازه وهو لم يلمس المهمة، فيربك المدير، ويثقل الفريق، ويعطّل الخطة، ويشوّه الجودة، ويستنزف الميزانية. إنه أشبه ببناء جدار جميل من الخارج لكنه فارغ من الداخل، يسقط عند أول اختبار. وهنا نستحضر قول وارن بافيت: الثقة تُبنى في سنوات، وتُدمّر في ثوانٍ. لأن كل خطوة تُبنى على وهم… تصبح انهيارًا مؤجلًا.

ومواجهة هذا النوع لا تحتاج صراعًا، بل وضوحًا. فالعمل الحقيقي لا يقاس بالكلام، بل بالأثر، بالأرقام، بالوثائق، وبالنتائج التي تُرى بالعين. استخدام استراتيجيات مثل تقسيم المهام الدقيقة، المتابعة الذكية، اجتماعات الـAgile القصيرة، والمؤشرات الأسبوعية… يجعل الشفافية أعلى من الادعاء، ويجعل الوهم يختفي تلقائيًا. وكما قال ستيف جوبز: “الناس لا تُوظَّف لتملأ المكان… بل لتصنع الفرق.” والفرق الحقيقي لا يحتاج “شريش”… يحتاج صدقًا، التزامًا، وإنجازًا يثبت نفسه بلا ضجيج.
“شريش التخطيط” هو ذاك الوجه الهادئ الذي يدخل الاجتماعات بثقة أكبر من حجم الواقع، يضع أرقامًا بلا تحليل، ويتحدث عن رؤى لا تستند إلى أي دراسة. يبدو صوته مقنعًا… لكن مشروعًا واحدًا يكفي ليكشف الحقيقة: الخطط كانت شكلاً بلا روح، ورقًا بلا أساس، وتوقعات معلّقة في الهواء. هذا النوع يترك خلفه فريقًا مرتبكًا، مديرًا يلهث خلف الإصلاح، ونتائج تفضح زيف التخمين. وكأن المؤسسة كانت تسير في طريق طويل… بخريطة مرسومة بالخيال، لا بالحقائق.

أما شريش التدريب وشريش العلاقات فهما يوجهان ضربة للمؤسسة من الداخل. الأول يقرأ عنوان كتاب ثم يعلن نفسه خبيرًا، فيُضعف جودة التدريب ويشوّه سمعة المؤسسة، والثاني يتنقّل بين المكاتب لينقل الكلام ويقطع أوصال الفريق. كلاهما يسرق من المؤسسة أهم ما تحتاجه للتطوير: الثقة، الاحترام، والتركيز. فالمشاريع لا تنهار فجأة… بل تنزلق تدريجيًا عندما تختلط الشائعات بالقرارات، وعندما يحل الادعاء مكان المهارة، وحين يصبح الصوت الأعلى أهم من الدليل. وهنا تظهر الفجوة بين الواقع والورق—الفجوة التي تسقط عندها المشاريع بلا رحمة. وفي كل تجربة واقعية، من شركة صغيرة إلى مؤسسة عملاقة، ستجد أن الخسارة الأكبر ليست المال ولا الوقت… بل خسارة الثقة التي لا تُقاس بثمن.

ومن هنا لزم حمايةلتصل بلوغ المؤسسة النضج إداريًا، وتدرك أن المعلومة هي الوقود الحقيقي لأي مشروع. بناء ثقافة التحقق يجعل كل كلمة تمر عبر سؤال واحد: ما مصدرها؟ فإما أن تكون معلومة، أو مجرد ضجيج. وعندما تتحول القرارات إلى Data-Driven Decisions تنهار مساحة الشائعات تلقائيًا؛ لأن الأرقام لا تجامل، ولا تخاف، ولا تبالغ. ثم تأتي الشفافية بين الإدارات لتربط الأقسام بوضوح، فيتقلص الظل الذي ينمو فيه “الشريش”. ومع تدريب الموظفين على تقييم المعلومات، وتوزيع المسؤوليات عبر RACI Matrix، يتحول العمل من “من قال؟” إلى من مسؤول؟. وأقوى خطوة فعلية هي تقييم الأداء بالنتائج، لا بالكلام… لأن النتائج تُسكت الادعاء، وتُبقي فقط من يعمل بصدق.

في الإدارة، ظهور الشريش ليس خطأ فرد واحد، بل علامة على وجود فجوات: غياب نظام واضح، ضعف توثيق، اجتماعات بلا أهداف، وأقسام تعمل في جزر منعزلة. حين تُبنى القرارات على الحديث لا على الحقائق، تتسلل الأخطاء، وتتكدس الخسائر، ويصبح المشروع هشًا مهما كان جميلاً على الورق. لذلك، كل مؤسسة تريد أن تنمو يجب أن تُغلق هذه الثغرات بسلوك مهني لا يتغير: وضوح في المعلومات، مسؤولية في الأدوار، بيانات تُراجع، وقرارات تُبنى على الدليل لا على الظن. عندها فقط… يختفي الشريش من بيئة العمل، وتظهر الحقيقة التي تُبنى عليها المشاريع الناجحة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights