السبت: 14 مارس 2026م - العدد رقم 2854
مقالات صحفية

نشرة التنقلات وأصحاب الود المحبطون

د. صالح بن خليفة الشعيلي

“ليش ينقلوك وأنت اللي ……،خسارة إنهم نقلوك ..، خسارة قاعدوك، أنت كنت تكد ليل ونهار، هم الخسرانين .. المفروض تكون أنت المسؤول .. ”
عبارات مثل هذه وغيرها الكثير في نفس السياق يقولها الكثيرون منا لمن تقتضي مصلحة العمل -غالبا- نقله إلى موقع وظيفي آخر نظرا لكفاءته واحتياج خبراته وكفاياته لإحداث تغيير إيجابي في بيئة عمل أخرى، أو لإتاحة الفرصة أمام الآخرين، إلا أن مثل هذه العبارات عادة ما تكون محبطة ومثبطة للهمم والعزائم وبخاصة إذا ما تكررت من نفس الشخص أو من أشخاص آخرين أيضا، يحدث ذلك على الرغم من عدم وقوع ضرر مؤكد على صاحب العلاقة.
وبحسب علم النفس الاجتماعي قد يكون لهذه الكلمات والعبارات تأثير نفسي عميق على الفرد، فمثل هذه الرسائل تحمل في ظاهرها إبداء التعاطف ومحاولة رفع المعنويات والتأكيد على كفاءة الموظف، إلا أنها في باطنها تحمل إيحاءات بأن القرار لم يكن عادلا، مما يزعزع ثقة الموظف في المؤسسة وزع الشك في عدالتها وبتدني قيمة موظفيها لديها، وربما تترك أثرا نفسيا طويل المدى يتمثل في توليد مقاومة داخلية للتأقلم والتكيف مع الموقع الوظيفي الجديد، إضافة توقع انخفاض الدافعية نحو العمل.
في العام 2020 ارتأت الحكومة إحالة مجموعة من موظفي الدولة في القطاع الحكومي -وفق ضوابط معينة- وبعيدا عن الآثار السلبية والأضرار التي لحقت بمعظم من أحيل إلى التقاعد بموجب هذه التعليمات التي جاءت مباغتة، إلا أن ما زاد وقعها أولئك الذين تعاطفوا معهم ولم يتركوا سانحة إلا وقالوا لهم عبارات في ظاهرها الرحمة وفي باطنها الإيلام، وكنت أحد ممن تعرضوا لمثل هذه المواقف ومازلت أتعرض رغم انقضاء ما يقرب من خمسة أعوام على ذلك، إلا أنني ولله الحمد لم أعرها اهتمام، إلى أن فتح الله لي بابا آخر للرزق ولله الحمد.
ومازال المشهد يتكرر عند نقل أحدهم لأسباب متفاوتة، مثل التدوير الوظيفي، ومصلحة العمل -التي تستند إليها الكثير من قرارات النقل وتعدها مسوغا قانونيا لا يمكن معه التراجع في القرار ما لم يثبت وقوع الضرر-، وحدوث حالات النقل أمر طبيعي ومتوقع مما يتطلب من الجميع تهيئة نفسه لذلك في أي لحظة.
آخر تلك المواقف كانت مع صدور نشرات تنقلات الهيئتين التدريسية والإدارية بالمدارس الحكومية بمختلف نطاقاتها المكانية ومستوياتها الوظيفية، حيث اقتضت الضرورة -حسب تقدير الجهة الإدارية الحكومية- نقلهم إلى مواقع مختلفة لأسباب عدة، منها الاستفادة منهم في مواقع أخرى في ذات المنظومة، ومنها لسد الشواغر وتلبية احتياجات المدارس لمصلحة أبنائنا الطلبة والطالبات، ومع صدور تلك النشرات انبرى كثيرون يدافعون عن من شملهم النقل، مرة في الاتصال الاتصال، وأخرى في التجمعات والمجالس، ومرات على وسائل التواصل الاجتماعي، مستخدمين تلك العبارات التي أشرنا إليها ومثيلاتها، وقد يصل الحال عند بعضهم إلى كتابة صحيفة اعتراض إلى الجهة الإدارية مطالبين بإلغاء القرار, دون أن يدركوا بأنهم يزيدون من مكيال السلبية ويزيدون الطين بلة، في ذات الوقت يقف معظم المشمولين بالقرار وقفة المتفرج على ما يدور، حيث تترسخ لديهم قناعة بموضوعية القرار، وقد تصل قناعة تقبلهم للقرار إلى نسبة عالية جدا، إلا أن شحنات وجرعات السلبية -من قبل غير المعنيين بالأمر بشكل مباشر- تضعهم في موقف لا يحسدون عليه، وهنا تظهر الصلابة والاتزان العاطفي.
في المقابل يدرك الكثيرون من ذوي الوعي والإدراك بأن التدوير الوظيفي أمر صحي ومحمود والانتقال من موقع إلى آخر إنما يحقق لهم فوائد وإيجابيات عدة منها على سبيل المثال لا الحصر: فرصة للنمو المهني في ظل الانتقال إلى مهام ومسؤوليات جديدة،اكتساب خبرات عملية جديدة، التعامل مع فرق عمل مختلفة، العمل ضمن بيئة عمل جديدة قد يكون بها تحديات وبالتالي تكون فرصة جديدة للإبداع والابتكار، مما يعني فرصة جديدة لإثبات النجاح.
ختاما – ونحن على مشارف بدء العام الدراسي- فإننا مطالبون جميعا بالنظر إلى الجانب الإيجابي تحفيزا لأنفسنا وللآخرين، وأن نقف عونا وسندا للتربويين في مدارسنا، فوالله من مر بتجربة العمل التربوي في المدارس سيدرك تماما حجم الاحتراق النفسي اليومي الذي يتعرض له المعلم والإداري في سبيل رسالتهم النبيلة لتربية وتعليم أبنائنا.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights