الإثنين: 09 مارس 2026م - العدد رقم 2849
مقالات صحفية

عبثيات الصراع الداخلي

د. حمده حسن
دكتوراه الفلسفة في الصحة النفسية والتربية الخاصة

هناك لحظات لا نفهم فيها أنفسنا، نبدو هادئين من الخارج لكننا في الداخل ساحة صراعٍ صامت.

نتجاهل مشاعرنا نُسكِتها ندفنها تحت الانشغال أو الصبر أو الادّعاء بأننا بخير.
لكن المشاعر لا تموت… إنها تنتظر.

تمر الأيام ويحدث شيء بسيط، كلمة، موقف، أو حتى نظرة، فتنفجر تلك المشاعر دفعة واحدة، بلا استئذان، بلا منطق، وكأنها تقول: “لقد تجاهلتني طويلًا، والآن جاء دوري لأتحدث.”

تلك اللحظة التي يصفها علماء النفس بـ “عودة المكبوت”،
هي عودة الجزء منّا الذي حاولنا إسكاته؛ ظنًّا أنه ضعف.
لكن تجاهل المشاعر لا يلغيها، بل يجعلها تتراكم في اللا وعي حتى تفيض في وقتٍ غامض، تجاه شخصٍ أو موقفٍ لا علاقة له بالأصل.
تشعر حينها بفوضى داخلية، كأنك لا تفهم من أنت،
لماذا تبكي؟ ولماذا تغضب فجأة؟ ولماذا يؤلمك شيء لا تعرف له اسمًا؟
كل ذلك لأنك لم تمنح مشاعرك حقها في الوقت المناسب.
إن الكبت العاطفي لا يحميك من الألم، بل يجمّده بداخلك حتى يذوب دفعة واحدة.
والمشاعر مثل النهر إن لم تجد طريقًا طبيعيًا لتجري فيه ستغمر الأرض كلها حين تنهار السدود.

الحل ليس في الخوف من المشاعر، بل في الاعتراف بها.
في أن تسمح لنفسك بالشعور دون خجل، بالحزن دون هروب،
أن تمنح ما فيك مساحة للوجود قبل أن يتحول إلى فوضى.

فالمصير المبهم ليس في المشاعر نفسها بل في تجاهلها.
والشفاء يبدأ حين تنصت إلى ما يسكنك… قبل أن يصرخ رغمًا عنك.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights