الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

القلوب النقية في عالمٍ خشن

   صالح بن سعيد الحمداني

من بين جواهر الكلام التي تركها لنا أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه تبرز هذه المقولة العميقة المعنى: “لا تكن لينا فتعصر، ولا تكن قاسيًا فتكسر”.

إنّها ليست مجرد كلماتٍ بل ميزانٌ دقيق في كيفية التعامل مع الناس ومع الذات ومع هذا العالم المتقلّب الذي كثيرًا ما يُربكنا بين الطيبة والشدّة بين الحزم والتساهل بين الكرامة والتنازل.

فهل نعمل اليوم بتلك الحكمة؟ وهل ما تزال صالحة لعصرنا الذي تبدلت فيه القيم، وتداخلت فيه المبادئ وكثر فيه المتسلقون والانتهازيون؟ ومن ناحية الطيبة الزائدة هل هي نقطة قوة أم ضعف؟

في زماننا كثيرًا ما يُنظر إلى الطيبة على أنها ضعف وربما سذاجة، يُطلق الناس على صاحب القلب الرقيق صفات من قبيل “مسكين” أو “ما يفهم الحياة”، وكأن النُبل قد أصبح تهمة والطيبة جريمة يُعاقب عليها المجتمع، فكم من طيب صادق استُغل وكم من نزيه نقيّ عانى وقيل فيه ماقيل وكم من كريم طُعن في الظهر من أقرب الناس إليه أو من بعيد أكرمه؟!

ومع ذلك فهل هذا يعني أن الطيبة لم يعد لها مكان؟ هل المطلوب أن نكون قساة غلاظًا حتى نحظى بالاحترام؟!

الإجابة ليست بهذه البساطة لأن الطيبة في جوهرها ليست غباءً بل خلق نبيل إذا اقترن بالحكمة كان سلاحًا لا يُهزم، فالإنسان لا يُطلب منه أن يُذل نفسه ولا أن يرضى أن يكون سلعة للآخرين، بل عليه أن يوازن كما قال الإمام علي: لا إفراط ولا تفريط، لا لين يُستغل ولا قسوة تُبغض.

الإسلام جاء بسُموّ الأخلاق نعم هذا ديننا الحنيف جاء ليرفع من شأن الأخلاق والطيبة وجعل حُسن الخلق من أعظم القُربات، وجعل النبي ﷺ يقول: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، كما جاء في القرآن الكريم توجيه صريح لنبي الرحمة:

“فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ” [آل عمران: 159].

الطيبة إذًا ليست ضد الحزم بل معها، الطيب الحقيقي ليس ساذجًا بل يفهم الحياة ويختار أن يكون نقيًا رغم كل شيء ورغم متغيرات وطعنات وتقلبات من حوله والزمان بل أهل الزمان، والطيبة لا تعني أن نسمح للآخرين أن يستغلونا بل أن نتعامل معهم بكرم ورحمة ولكن أيضًا بكرامة ووعي.

سؤال كثيرًا سمعته يتردد وخاصة هذه الفترة في نقاشاتنا الطيبون في هذا الزمن… هل لهم مكان؟

قد يبدو الواقع قاتمًا وقد يظن البعض أن هذا الزمن لا يعرف إلا أصحاب المصالح والقلوب القاسية لكن الحقيقة أن الطيبون لا يزالون موجودين وهم نَفَس هذا العالم، قد لا يراهم الإعلام وقد لا يتصدرون المشهد لكنهم موجودون في البيوت التي يملؤها الحب وفي الأيادي التي تمتد بالمساعدة وفي القلوب التي تعفو رغم قدرتها على الانتقام، في قلوب تنبض بالحب والوفاء والإخلاص وإن طُعنت ونزفت تنزف ذكرى طيبة من عُبق التوكل على الله وعدم طلب الشكر والثناء فأجرهم على الله.

الطيبون لا يخسرون على المدى البعيد حتى وإن خذلتهم الدنيا ومن حولهم وطعنوا فيهم وقذفوهم او نالوا منهم وضروهم فالله لا يُضيع أجر من أحسن عملاً، والطيبة ليست فقط ما نفعله للناس بل ما نخبئه في نوايانا في صدورنا من صفاءٍ ونقاء، يوم تُرفع الملفات إلى رب السماوات لا يُنظر إلى حِدة الصوت أو قوة المظهر بل إلى القلب وإلى النية وإلى الأثر يقول تعالى “إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبࣲ سَلِیمࣲ ” [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: ٨٩، وعند الله تلتقي الخصوم.

نجد أن بين الطيبة والقسوة خيار لا بد أن يُحسم، فقد نحتاج أحيانًا إلى شدّة لكن الشدة التي يُلجأ إليها بحكمة لا تلك التي تكون طبعًا دائمًا، فليس القوي من يبطش بل من يملك نفسه عند الغضب، وليس الحازم من يصرخ بل من يستطيع أن يقول “لا” بلُطف وأن يُوقف الظلم بكرامة دون أن يتحول إلى ظالم.

الناس قد ينسون من كنت وينكرون معروفك ويأخذون منك ولا يُعيدون هذا واقع لا مفر منه، ولكن لا تجعل ذلك سببًا في أن تُطفئ نور قلبك أو أن تتحول من إنسان إلى نسخة مشوهة من قسوة الحياة.

ختامًا، ومن وجهة نظر أقولها يقينًا وإيمانًا راسخًا؛ “امضِ في طريقك تحلَّ بالطيبة والنية الصادقة، واجعل من أخلاق نبيك ﷺ وسيرته نبراسًا لك ولا تخف من أن تكون طيبًا، لكن لا تسمح لأحد أن “يعصرك”، وكن حازمًا حين يجب لكن لا تكن قاسيًا تُكسر، فبين الطيبة والحزم خيط رفيع لا يقدر عليه إلا من صفا قلبه وسمت روحه”.

إن الطيبة اليوم ليست ضعفًا؛ بل مقاومة نبيلة ضد القسوة المتفشية… فتمسّك بها فإنك على الحق وعند الله تجتمع الخصوم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights