حين تصعد التفاهة ويتوارى العقل : أزمة وعي في العصر الرقمي ( ج1)

أحمد الفقيه العجيلي
في عصر يُقاس فيه التأثير بعدد المشاهدات لا جودة الفكرة، تتصدر التفاهة المشهد، ويُهمّش العقلاء، ويتراجع التعليم، وتنهار المعايير.
هذا المقال يتتبع جذور هيمنة السطحية على الرأي العام، وأثرها على منظومة القيم، وعلى مستقبل التعليم والإنتاج في مجتمعاتنا، ويطرح تساؤلًا مصيريًا:
*كيف نستعيد صوت الحكمة وسط هذا الضجيج؟*
لم تعد مؤشرات التأثير في عصرنا تُقاس بالعلم، ولا مكانة الأشخاص تُبنى على الحكمة أو عمق الفكرة.
بل بات المعيار هو من يُثير الضجيج، ويجيد صناعة “الترند”، ويُتقن فن الحضور الخفيف، حتى لو كان بلا مضمون.
نحن أمام تحول جذري، لا في أدوات التواصل فقط، بل في البنية القيمية التي تحكم مجتمعاتنا.
فمنذ سنوات قليلة، كان المثقف هو من يُستشار، والعالم هو من يُقدَّم، وصاحب الخلق هو من يُصغى إليه.
أما اليوم، فقد اختلطت الأصوات، وغاب الرشد، وتقدّم من لا دراية له، وتوارى أصحاب الفضل في الزوايا.
وكما يقول آلان دونو في كتاب نظام التفاهة:
“لقد تبوأ التافهون المناصب، أما أصحاب الكفاءة فقد انزَوَوا جانبًا.”
التفاهة كنظام لا كاستثناء ..
يعيش العالم لحظة فارقة، تتحكم فيها أدوات تكنولوجية فائقة التأثير، تتصدرها وسائل التواصل الاجتماعي، التي تُعيد تشكيل الذائقة العامة والمعايير الثقافية.
أصبحت الخوارزميات هي التي تُقرر من يظهر، ومن يُنسى.
ومن ثم، لا يُطلب من المحتوى أن يكون نافعًا أو رصينًا، بل أن يكون لافتًا، سريعًا، قابلاً للمشاركة… ولو كان أجوف.
تُشير الإحصائيات إلى أن 63٪ من الشباب اليوم يستقون أخبارهم من هذه المنصات، مما يجعل عقولهم معرضة للتوجيه الممنهج، لا من أصحاب الاختصاص، بل ممن يملكون أدوات التأثير الرقمي.
“نحن لا نحارب الرداءة، لقد بتنا نحتفي بها.”
– آلان دونو، نظام التفاهة.
الرويبضة على الهواء ..
في مشهد يذكّرنا بتحذير النبي ﷺ من زمن “يتحدث فيه الرويبضة”، أصبح الرجل التافه — الذي لا يفقه شيئًا — هو من يُستشار في قضايا العامة عبر مقاطع مصوّرة قصيرة، وسلاسل ترندات “ساخرة” تُغيّب الوعي، وتختزل القضايا، وتُقصي العقلاء.
يُهمَّش العلماء، ويُسخر من المفكرين، وتُطفأ منابر الحكمة لحساب شهرة آنية لا تدوم.
وهذا تمامًا ما وصفه “آلان دونو” بقوله:
“التافه هو الذي يتقن لعبة الصعود في النظام، ويخضع لقواعده، ويترقّى لا لأنه الأفضل، بل لأنه لا يهدد أحدًا.”
من الذي سمح بصعود التافهين؟
التفاهة لا تصعد وحدها، بل تُهيأ لها الأرض، وتُفرش لها المنابر، ويُمنح أصحابها التصفيق والترويج.
ومن أبرز العوامل التي مهّدت لها:
– صمت العقلاء وانسحاب أصحاب الرأي:
حين آثر أهل الحكمة السلامة، وترددوا في الدخول إلى فضاءات التأثير الحديثة، فُتح المجال لغيرهم.
كثير من المثقفين والمختصين نأوا بأنفسهم عن منصات التواصل، معتبرين أنها “سوق ضجيج”، فخلا الميدان، واحتله من لا خُلق ولا علم له.
قيل: “إذا غاب العاقل، تكلم الأحمق.”
والصمت الطويل للعقلاء ليس حكمة دائمًا، بل قد يكون تفريطًا في وقت الحاجة.
“النظام لا يحتاج إلى قمع المثقفين إذا كان بإمكانه تهميشهم وجعلهم غير مرئيين.”
– آلان دونو
– تصفيق الجماهير لمن يُضحكهم لا لمن يُنير طريقهم:
المتلقي نفسه — في كثير من الأحيان — أصبح شريكًا في صعود التفاهة، حين صار يبحث عما يُسليه لا ما يُنميه. فصاحب المحتوى السطحي يحصد الإعجابات، والمفكر يُعد “ثقيلًا” أو “معقدًا”.
وهذا الانحراف في الذائقة شجع صناع المحتوى على إنتاج المزيد من “السهل الممتنع”… الذي لا يمتنع.
– تساهل المؤسسات الإعلامية والثقافية في المعايير:
حين تتراجع معايير الجدارة والكفاءة، ويُستضاف “المثير” لا “المؤثر”، وتُمنح الجوائز والمناصب وفق الشعبية لا المعرفة، تصبح التفاهة مُؤسّسة، لا مجرد ظاهرة عابرة.
تتحول البرامج إلى ترفيه صرف، والحوارات إلى جدل بلا مضمون، وتغيب البرامج العميقة لصالح ما “يصنع مشاهدات”.
وقد عبّر الإمام علي بن أبي طالب عن هذه الظاهرة حين قال:
“إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت سلبته محاسن نفسه.”
“في نظام التفاهة، يتم تبجيل أولئك الذين لا يزعجون، الذين لا يفكرون كثيرًا، الذين يُرضون الجميع.”
– آلان دونو



