الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

رؤية نقدية تحليلية في رواية (ولادة في كنف الملائكة) للكاتب والراوي/ حمدان بن هاشل بن علي العدوي

يعقوب بن راشد السعدي

لقد عجزت أناملي عن خط كلمة على لوحة مفاتيح الحاسب الآلي، وذلك ليس شتاتاً وضياعاً في بحر اللغة، ولكن يحتار الفكر أحياناً عن الكتابة إذا ما جاء يكتب عن شخصية تحمل في طياتها زخم كبير من العطاء والكفاح والصبر، عن شخصية أبت أن تسقط رغم ما ألم بها من وجع ومعاناة وقهر سكن وجدانها قبل أن يسكن جسدها، شخصية صنعت من المستحيل سلم لبلوغ الأمل وإرتقاء السماء لتركب السحاب الماطر وتنزل بغيثها على من هم على شاكلتها؛ لتغرس فيهم ما فقدوه من القوة والسلام الداخلي لبلوغ القدرة على كسر جماح العجز وتذليل الصعاب لبلوغ منبر العطاء دون كلل أو ملل.

ولِدت إرادة الكاتب والروائي حمدان بن هاشل بن علي العدوي من رحم المعاناة ومخاض الألم لتشق طريق النجاح الذي لم يكن هو نفسه يتوقعه في يوم من الأيام، حين كانت حياته على المحك، وبين مفارقة الموت والحياة، وبين الظلمة والنور، تجلت قدرة الله بأن تصنع من هذا الرجل المحطم نبراس يضيئ ويشرق على من حوله بنضخ دفاق فاض وسال كالسلسبيل ليطبب جراحاته ويتمسك بذاته، وينهض من جديد ليواصل الحياة ويخط قلمه المكلوم أجمل الروايات وأعمق الأحاسيس، كلماته التي أتت تنساب كجدول رقراق تغذي الوجدان وتشعل خمود الذات، لتنعش من على شاكلته وتصرخ بأعلى صوتها ( لا للإستسلام) ، هنا كان الميلاد الحقيقي لهذا الرجل الذي عاد من الموت الجسدي والروحي ليعلن لمن حوله، بأن العزيمة والإيمان المطلق بالله على بلوغ المستحيل ليس عبثاً إنما حقيقة تتجلى في كل واحداً منا، فقط عليه أن يبحث في داخله.

أنا اليوم في صدد الحديث عن إصدارات حمدان بن هاشل العدوي لروايتين هما باكورة أعماله، رواية (ولادة في كنف الملائكة) ورواية (أسرار من بوابة القادمين إلى صلالة)، وأخشى أن لا أعطي حق الروايتين مساحتهما الأدبية، وأبخص بمقالي هذا عبقرية الرجل التي تجلت في سرد الروايتين والغوص في أغوارهن، لكنني رغم هذا وذاك سوف أشمر عن معولي الفكري لعلي أوفق في قراءتي التحليلية البسيطة، في هذا المقال أكتفي بتحليل الرواية الأولى (ولادة في كنف الملائكة).

لقد جاءت ثيمة الموت مهيمنه على رواية ولادة في كنف الملائكة، ولكن لم تكن عثرة في ما مر به الكاتب من وقائع مؤلمة وأحداث يقشعر لها البدن، أرى بأن الكاتب نفسه تقمص الموت ذاته وعاش معه وتعايش وأصبح الموت بمثابة الرفيق، لقد اتحد مع الموت وكأنه خليل يسامره ويبحث عنه كلما غاب عنه، كان يُشعره بالسعادة، كان يُشعره بالحياة !!، وأحياناً أخرى كان يناديه لينعم عليه بالراحة الأبدية عندما يكون في كبد الألم ومستقر الوجع. نعم، هكذا تعلق الراوي حمدان العدوي في روايته بالموت كما يتعلق الكثيرون بالحياة، لكن حمدان خالف الواقع الإنساني الفطري، ليس لأنه غريب الأطوار، لكن التجليات التي رآها وعاشها أثناء الحادث وصمت الحياة، والرؤية الغيبية التي فصلت بين الواقع واللا واقع كانت كفيلة بأن تبعث في نفسه الكثير من الأسئلة التي أستمر في البحث عن إجاباتها حتى اليوم، وكفيلة بأن تبعثه إنساناً أخر غير الذي كان عليه، تلك الرحلة المجهولة التي شعر فيها وكأنه ملاك والضوء الساطع الأبيض المشع يتغلغل إلى أعماق وجدانه، جعلته محباً لإكمال حالة رحلته إلى الموت، فلم يكن الموت بالنسبة له نهاية الحياة، بل بداية كل شيء جميل، جعله الغموض يعشق اكتشاف ما سوف يؤل إليه هو!، أشعر أثناء قراءتي للرواية وكأنه يتسأل في ذاته.. هل فعلاً عشت ولو للحظات حياة البرزخ ؟!! .

عندما نقرأ روايته ولادة في كنف الملائكة، نجد توطد العلاقة بينه وبين الموت، بينما عاش معاناة الألم بعد الحادث في حالة سوداوية، جعلت من الموت رفيقاً حقيقياً له في ليله ونهاره، كلما شعر بشدة الألم كلما خاطب الموت بإشتياق محب وليس هروب من الحياة، وربما وضع الشخصية البطلة المزري للراوي في تلقي العلاج الصحيح وعدم التحرك السريع في العلاج والتباطء في فهم التشخيص لما يعانيه من ألم جعله ينشد الموت في كل زفرة ألم، لقد قدم الراوي حمدان بن هاشل العدوي في هذا الرواية لغة سردية جميلة، برع فيها في نقل الأحداث للقارئ بطريقة تجعله يعيش معه الحدث ويتخيل معه كل الشخصيات في الرواية وكأنها تتراقص أمامه، وهذا لا يصل إليه إلا كاتب متمكن من أدواته الأدبية وشخص عاش تلك الوقائع بصدق، حمدان العدوي أمتلك الأثنين معاً، فكان السرد الأدبي في الرواية خصب ودفق أعطى للرواية غزارة في حضور الكلمة والإحساس بها والتعايش معها.

والمفارقة عجيبة، رغم عشقه للموت إلا إنه ثابر وتحدى المستحيل ليقف مرة أخرى على رجلية ويعود للحياة، وهذا التحدي في وجهة نظري من خلال قراءتي للرواية جاء لأسباب كثيرة منها، ما مر به الراوي من إجحاف وخذول وفقدان أمل من ما يسمعه من حولة من الكادر الطبي ومن قراءة نظرات بعض الأعين المحيطة به، التي كانت بمثابة الخنجر الذي يغرس في الخاصرة، الأمر الذي ولد معه وأيقظ فيه نشوة العودة إلى الحياة وصراع البقاء رغم الألم، وربما أيقن بأن ما عاشه في رحلته المجهولة لن يعود إليه في وضعه الحالي وربما سوف يمتد به الإنتظار.

قد صنع الراوي حمدان العدوي بطل الرواية والكاتب لها، بطل أستنهض من الموت والألم الحياة المفقودة، وأيقظ اليأس من ظلمات النفس إلى نور تجلى من ضعفه ليبلغ عنان المقاومة رغم الإعاقة، كان في الرواية كأنه ربان يصارع الموج من حولة ليصل بالسفينة التي شابها العيوب في هيكلها إلى بر الأمان، ليرممها ويبدأ الإبحار من جديد بأشرعة تلوح للحياة بأن القادم أفضل، وبأن بعض الموت يحمل غموض إلى بوابة الحياة، إلى عالم جديد ونقلة جديدة لم يعهدها في حياته السابقة ما قبل الحادث.

لقد حملت الرواية الكثير من فيض المشاعر والأحاسيس وتضاربهما في آنٍ واحد، لقد لعب الكاتب على النمط السردي بطريقة احترافيه بالغة في تصوير الحالة الإنسانية، في ضعفها وقوتها، في سكونها وثورتها، في هدوءها وغضبها، كل هذه المتضادات أستطاع الراوي أن يُبقي القارئ داخل روايته وكأنه يعيش معه كل تلك الصراعات النفسية والوجدانية، كل تلك الإنفعالات وذاك الضعف وتلك القوة، أبدع في توظيف الكلمة كما أبدع في تصوير الحالة الوقتية والزمنية من حدث إلى آخر، لا يترك للقارئ أن يتملص من القراءة أبداً، فتتابع وتصاعد الأحداث والترابط في إيقاع تلوين الفعل ورد الفعل بينه وبين الشخصيات التي كانت تصاحبه في صنع الحدث، يجعل من القارئ حبيس الرواية حتى النهاية.

تراه أحياناً يفقد التوازن، وهنا أقصد توازن الشخصية فيما تعيشه من أحداث، وليس توازن الطرح في الرواية، فيهرب كثيراً من واقعة إلى واقع أخر كان يضنه المهرب والمفر من كل شيء حولة، كان يريد الهرب حتى من نفسه، صادقَ الضعف كما صادقَ القوة، كان تائهاً لا يعرف ما يصنع وما يريد ولا حتى كيف يستطيع أن يخرج من الوضع الذي هو فيه. نعم، حاصر نفسه بشدة وكأنه يجلدها في بعض الأحيان، كان المستشفى بالنسبة له المهرب، والبيت كان له السجن والقيود، كثيراً ما يفقد توازنه، كثيراً ما كان يبحث عن نفسه في لفحة هواء أو بصيص ضوء، يتدثر الوجع ويغزوا السماء بعينيه وكأنه طير حر قُصت جناحاه ونُتفت ريشه، لقد أودع حمدان بن هاشل العدوي في هذه الرواية أبعاد كثيرة في الشخصية جعلت من الرواية أيقونة أدبية فيها من الأبداع ما يكون مدرسة لغيرة من الرواة، ربما هو لم يصنع أحداثها لأتها حقيقية، لكنه أجاد نقل أدق تفاصيلها وأنعم خيوطها، وتطورها وكأنه يمتلك بيده ريشة فنان ليزخرف لوحة فيها من تضارب الألوان الكثير، لكنها لم تفقد بريقها إنما خرجت بصورة تذهل العقول وتسرق الألباب.

أرى بأن حمدان بن هاشل العدوي شق طريق الألف ميل بخطوة، فإذا كانت هذه هي أول باكورة رواياته، وهي بهذا الإتقان الأدبي المتناهي، فما سوف يأتي بعدها سوف يكون فعلاً مدرسة في فن الرواية، ربما بعضهم عندما يقرأ ما كتب يظن إنني أبالغ كثيراً، لكنني أدعو من هذا المقال جميع الكتاب والرواة على قرأت رواية (ولادة في كنف الملائكة) ليحكموا بأنفسهم.

في المقال القادم سوف أطرح تحليلي النقدي عن روايته الثانية (أسرار من بوابة القادمين إلى صلالة).

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights